
الشرق الأوسط – شهد العالم خلال العقد الماضي عودة حادة للصراعات المسلحة وعدم الاستقرار الجيوسياسي. وسجّل معهد الاقتصاد والسلام عام 2024 باعتباره العام الذي شهد أكبر عدد من النزاعات المسلحة بين الدول منذ الحرب العالمية الثانية، مع أكثر من 61 نزاعًا نشطًا في 36 دولة، ورابع أكثر الأعوام دموية منذ نهاية الحرب الباردة، مع تقديرات تشير إلى نحو 239 ألف وفاة مرتبطة بالصراعات.
ولا يظهر هذا الواقع في أي مكان أكثر من الشرق الأوسط، الذي أصبح اليوم مركز التوترات الجيوسياسية العالمية. فمنذ عام 2022، أدّت النزاعات المتداخلة، والإبادة الجماعية في غزة، وتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار عدم الاستقرار في لبنان وسوريا واليمن، إلى إبقاء مؤشر المخاطر الجيوسياسية (GPR Index)، وهو مقياس واسع الاستخدام للحروب والتوترات العسكرية والإرهاب، عند مستويات قياسية.
ولا تقتصر تداعيات هذه التوترات على المنطقة فقط. فقد عاد مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، ليصبح مجددًا نقطة اشتعال رئيسية.
حتى التهديد بتعطّل حركة الملاحة عبر المضيق أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وتعميق الضغوط التضخمية عالميًا، ما يذكّر بأن نقطة اختناق واحدة قادرة على تحريك الأسواق في مختلف أنحاء العالم، خصوصًا في الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة مثل لبنان.
من تقليل الكلفة إلى تنويع المخاطر
لحوالي 40 عامًا، بُنيت التجارة الدولية على منطق واحد: خفض التكاليف. اختارت الشركات مواقع الإنتاج الأرخص وطرق الشحن الأكثر كفاءة، على افتراض أن التجارة ستستمر بالتدفق بحرية بغض النظر عن المناطق التي تمر عبرها.
لكن هذا الافتراض لم يعد قائمًا. فقد دفعت جائحة كوفيد-19، والغزو الروسي لأوكرانيا، وهجمات البحر الأحمر، والتوترات المتكررة حول مضيق هرمز وتايوان، الحكومات والشركات إلى تبنّي أولوية جديدة: تقليل مخاطر الانقطاع حتى لو كان ذلك يعني دفع تكاليف إضافية.
وأصبحت الجغرافيا — أي موقع خط أنابيب أو ميناء أو سكة حديد بالنسبة إلى مناطق النزاع — عاملًا استراتيجيًا من جديد، وليس مجرد تفصيل لوجستي.
تجاوز نقاط الاختناق
يظهر هذا التحول بشكل واضح في قطاع الطاقة. إذ تستثمر دول الخليج في خطوط أنابيب تتجاوز مضيق هرمز بالكامل؛ فخط أنابيب الشرق–الغرب السعودي يربط الخليج العربي مباشرة بالبحر الأحمر، بينما ينقل خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام في الإمارات النفط إلى الفجيرة على الجانب الآخر من المضيق في خليج عُمان.
أما أوروبا، فقد نوّعت مصادر إمدادات الغاز لديها منذ فقدان تدفقات الغاز الروسي عبر الأنابيب، من خلال توسيع قدراتها لاستيراد الغاز الطبيعي المسال.
وينطبق المنطق نفسه على ممرات التجارة البرية. فالصين تواصل توسيع الترابط التجاري عبر مبادرة الحزام والطريق؛ كما اكتسب الممر العابر لبحر قزوين، المعروف باسم "الممر الأوسط"، أهمية متجددة كطريق يتجنب روسيا. كذلك يعكس ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا الاقتصادي (IMEC)، رغم أنه لا يزال في مراحله الأولى، الاتجاه نحو إنشاء طرق تجمع بين السكك الحديدية والموانئ والبنية التحتية الرقمية بين شركاء ذوي مصالح سياسية متقاربة.
وبعيدًا عن البنية التحتية، بدأت المنطقة أيضًا في التأثير على النقاشات المتعلقة بالسياسات التجارية. إذ تستضيف السعودية، بالتعاون مع الهيئة العامة للموانئ السعودية (موانئ) ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، المنتدى العالمي الثاني للأمم المتحدة لسلاسل الإمداد في الرياض من 29 نوفمبر إلى 1 ديسمبر 2026. ويركّز المنتدى على تنسيق السياسات والاستثمارات لتعزيز قدرة سلاسل الإمداد على مواجهة التجزئة الجيوسياسية، واضطرابات المناخ، وفجوات البنية التحتية.
الاقتصادات الهشة تتحمل العبء الأكبر
أثّرت الاضطرابات الأخيرة في مضيق هرمز على الاقتصادات بشكل غير متساوٍ، حيث تتحمل الدول النامية والهشة العبء الأكبر.
وبحسب مرصد التجارة والتنمية التابع للأمم المتحدة، فإن ارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة نتيجة اضطرابات مضيق هرمز قد يضيف أكثر من 20 مليار دولار سنويًا إلى فاتورة استيراد النفط في أكثر الاقتصادات هشاشة في العالم، ولا سيما الدول الأقل نموًا. وقد يتأثر بذلك نحو مليار شخص.
وفي بعض هذه الاقتصادات، قد تتجاوز تكاليف الاستيراد الإضافية 7% من الناتج المحلي الإجمالي. كما أن ارتفاع أسعار الوقود سيؤدي إلى زيادة التضخم، والضغط أكثر على المالية العامة المحدودة أصلًا، ورفع كلفة المعيشة، مع تداعيات مباشرة على حياة الناس وسبل عيشهم.
مسافة جيوسياسية أقصر لا تعني تجارة أقل
هذا التحول لا يعني نهاية العولمة. إذ يشير تقرير حديث لمعهد ماكنزي العالمي إلى أن التجارة العالمية بالسلع استمرت في التوسع خلال عام 2025، مسجلة نموًا يقارب 6.5%، متجاوزة معدل النمو الاقتصادي العالمي.
لكن طبيعة هذه التجارة تتغير؛ إذ باتت الدول تتعامل بشكل متزايد مع شركاء أقرب سياسيًا وأكثر توافقًا في المصالح الاستراتيجية، حتى لو أدى ذلك إلى جعل "المسافة الجيوسياسية" أكثر تأثيرًا من المسافة الجغرافية الفعلية.
فأصبح السؤال: مع من تتاجر؟ لا يقل أهمية عن السؤال: كم تبلغ كلفة التجارة؟
ماذا يعني ذلك للبنان؟
لبنان بلد صغير يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، ويقع في قلب التوترات الإقليمية. وهذا يجعل التحول الحالي يحمل في طياته مخاطر وفرصًا في آن واحد.
على صعيد الفرص، يقع لبنان ضمن مسار محتمل للطاقة والنقل الإقليمي. ويُعد خط الغاز العربي المثال الأبرز؛ فمع بحث الدول عن طرق أكثر أمانًا وأقل عرضة للمخاطر، قد تصبح ممرات من هذا النوع أكثر أهمية.
ولن يكون هذا الخط سابقة بالنسبة للبنان. فمنذ عقود، كان خط كركوك–طرابلس، الذي أنشأته شركة نفط العراق في ثلاثينيات القرن الماضي، ينقل النفط العراقي من حقل كركوك إلى البحر المتوسط عبر طرابلس.
توقف الخط عن العمل بسبب النزاعات الإقليمية، لكن بغداد أبدت مؤخرًا اهتمامًا بإحيائه. أما الفرع الموازي باتجاه بانياس في سوريا فهو أكثر تقدمًا، إذ وقعت سوريا والعراق مذكرات تفاهم في يوليو 2026 لإعادة تأهيل خط كركوك–بانياس. وإذا أعيد فتح أي من المسارين، فقد يحصل لبنان على فرصة جديدة لاستعادة دور محتمل في شبكات الطاقة الإقليمية.
لكن لبنان هو أيضًا جزء من المخاطر التي تحاول دول أخرى تجنّبها. فعدم الاستقرار السياسي، وضعف المؤسسات، والتعرض للتقلبات الإقليمية قد تدفع الشركات إلى تجاوز بلد ما بدلًا من المرور عبره.
في هذا العصر الجديد، عادت الجغرافيا لتصبح عاملًا حاسمًا مرة أخرى. وبالنسبة للبنان، فإن ما إذا كان هذا التحول سيؤدي إلى استعادة دوره الإقليمي أو استمرار تهميشه سيعتمد على عوامل تتجاوز موقعه الجغرافي وحده.