
الشرق الأوسط - لا يصف المرضى أعراضهم دائماً بلغة طبية رسمية. ففي لبنان والمنطقة العربية، قد يجمع السؤال الصحي بين لهجة عربية محلية ومصطلحات إنجليزية أو فرنسية، إلى جانب تعابير يومية وطرق مألوفة ثقافياً لوصف الألم أو الضيق. وبينما يستطيع اختصاصي الرعاية الصحية طرح أسئلة إضافية وفهم هذه الفروق الدقيقة، قد لا تتمكن أداة الذكاء الاصطناعي من تفسيرها بالدقة نفسها.
هذا هو التحدي الأساسي الذي يواجه الذكاء الاصطناعي الطبي في المنطقة العربية. فالسؤال لا يقتصر على ما إذا كانت هذه الأنظمة «تتحدث العربية»، بل يتعلق بأشكال اللغة العربية التي تفهمها، وبالمرضى الذين قد يضطرون إلى تغيير طريقة تواصلهم حتى تتمكن التكنولوجيا من فهمهم.
يتحدث اللغة العربية أكثر من 450 مليون شخص حول العالم، إلا أن نحو 3% فقط من المحتوى المتاح على الإنترنت مكتوب بها، وفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو». ولا تكشف هذه النسبة عن حجم المحتوى العربي المستخدم تحديداً في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبي، لكنها تعكس النقص الأوسع في الموارد الرقمية المتاحة باللغة العربية.
إضافة إلى ذلك، ليست العربية شكلاً لغوياً واحداً. فالعربية الفصحى المعاصرة تُستخدم بصورة أساسية في الكتابة الرسمية والتعليم والأخبار، بينما يُرجح أن يصف المرضى أعراضهم باللهجة اللبنانية أو المصرية أو التونسية أو الخليجية أو غيرها من اللهجات المحلية. كما يمزج كثيرون العربية بالإنجليزية أو الفرنسية، أو يكتبونها بالحروف اللاتينية والأرقام، فيما يُعرف بـ«العربيزي»، أو يعتمدون على الرسائل الصوتية لأن الكتابة قد تكون صعبة أو غير عملية بالنسبة إليهم.
تكتسب هذه الاختلافات أهمية خاصة في مجال الرعاية الصحية. فقد يُعبَّر عن عارض يبدو واضحاً عند وصفه باللغة العربية الفصحى باستخدام كلمات عامية أو استعارات أو تعابير مألوفة ثقافياً. وقد يصف المريض الألم بأنه حرقان أو ثقل أو ضغط أو كأن «شيئاً يأكل» جسده من الداخل. كذلك، قد يُعبَّر عن الضيق النفسي من خلال الصداع أو الإرهاق أو ضيق الصدر أو الآلام الجسدية، بدلاً من استخدام كلمات مثل القلق أو الاكتئاب.
وقد ينجح نظام الذكاء الاصطناعي في ترجمة الكلمات منفردة، لكنه يعجز عن فهم ما يقصده الشخص فعلياً.
تشير الأبحاث إلى أن الذكاء الاصطناعي قادر على تقديم معلومات صحية مفيدة باللغة العربية، لا سيما عندما تكون الأسئلة مكتوبة بوضوح. ففي دراسة نُشرت عام 2025 حول أسئلة موحّدة تتعلق بصحة الكبد، حصلت الإجابات العربية التي أنشأها ChatGPT على متوسط 4.9 من أصل 6 في الدقة، و2.74 من أصل 3 في سهولة الفهم.
لكن الأسئلة المستخدمة في الدراسة كانت مترجمة على يد متخصصين، كما قيّم الإجابات أطباء مختصون. وتختلف هذه الظروف بصورة كبيرة عن محاولة تفسير وصف غير منظّم يكتبه المريض بطريقته الخاصة.
وتكشف أبحاث أخرى عن استمرار بعض الفجوات. ففي مقارنة شملت أسئلة في علم الفيروسات، حصل ChatGPT-4 على متوسط 4.20 في جودة الإجابات باللغة العربية، مقارنة بـ4.68 باللغة الإنجليزية.
كما وجدت دراسة سابقة شملت 91 سؤالاً عن تشمّع الكبد أن 24.2% فقط من الإجابات العربية كانت شاملة، فيما كانت 13.2% منها خاطئة تماماً، وكان ثلثها أقل دقة من الإجابات المقابلة باللغة الإنجليزية. لكن الدراسة استخدمت إصداراً أقدم من ChatGPT، لذلك لا ينبغي اعتبار هذه النتائج مقياساً لأداء جميع أنظمة الذكاء الاصطناعي المتاحة حالياً.
وقد يختلف الأداء أيضاً بين لهجة عربية وأخرى. فقد وجدت إحدى الدراسات المقارنة أن ChatGPT-4 حصل على 3.53 من أصل 5 عند الإجابة باللهجة الأردنية، مقابل 3.20 باللهجة التونسية. وكان أداؤه في اللهجتين أضعف بصورة ملحوظة من أدائه باللغة الإنجليزية.
وتواجه الأدوات الصوتية تحدياً إضافياً، إذ يتعين عليها أولاً تحويل كلام المريض إلى نص قبل تفسير معناه الطبي. وأظهرت مراجعة نُشرت عام 2025 حول التقنيات المستخدمة لمعالجة الكلام الذي يمزج العربية بلغات أخرى أن معدلات الخطأ في التعرّف إلى الكلمات تراوحت بين 28% و54% عبر مجموعات البيانات الصوتية التي خضعت للدراسة.
وعلى الرغم من أن هذه الأدوات الصوتية لم تُختبر في بيئة طبية، فإن النتائج توضح الصعوبة التي تواجهها الأنظمة الآلية في معالجة المحادثات التي تجمع بين لغات ولهجات مختلفة.
قد لا تصل فوائد هذه التكنولوجيا إلى الجميع بالقدر نفسه. فالمرضى الذين يشعرون بالارتياح عند استخدام الأدوات الرقمية ويعرفون بعض المصطلحات الطبية قد يجدون سهولة أكبر في وصف أعراضهم بوضوح وتقييم مدى موثوقية الإجابة. في المقابل، قد يواجه آخرون، بمن فيهم كبار السن، والأشخاص ذوو المعرفة الصحية أو الرقمية المحدودة، وسكان المناطق الريفية، والنازحون، ومن يتواصلون بصورة أساسية باللهجات المحكية، عوائق إضافية ينبغي أخذها في الاعتبار عند تصميم هذه التكنولوجيا.
وأظهرت دراسة شملت 587 بالغاً يراجعون عيادات خارجية في بيروت أن 65.8% منهم كانوا يملكون مستوى غير كافٍ أو يواجهون صعوبات في المعرفة الصحية الوظيفية، أي في فهم المعلومات الصحية الأساسية واستخدامها. وتسلط هذه النتيجة الضوء على مسألة مهمة: فقد تعمل الأداة الصحية التي تتطلب صياغة الأسئلة بعناية بصورة أفضل مع الأشخاص الأكثر قدرة أصلاً على التعامل مع نظام الرعاية الصحية.
وتزداد أهمية هذه المخاطر في مجالات الصحة النفسية والإنجابية والجنسية. فقد يمنح الذكاء الاصطناعي الأفراد مساحة خاصة لطرح أسئلة يشعرون بالحرج من مناقشتها أو لا يستطيعون إثارتها في مكان آخر.
ومن بين 525 شابة شملهن استطلاع في لبنان، أفادت 43.8% باستخدام روبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للاستفسار عن مسائل مرتبطة بالدورة الشهرية، فيما استخدمتها 48.8% للاستفسار عن الصحة النفسية. ورأت 43.4% أن تجنّب الإحراج يمثل إحدى فوائدها، بينما اعتبرت 85.5% أن دقة المعلومات تشكل مصدر قلق.
وتلخص هذه النتائج في آن واحد ما يحمله الذكاء الاصطناعي من إمكانات ومخاطر. فقد تتيح الأداة التي تحافظ على الخصوصية وصولاً أوسع إلى المعلومات الصحية الأساسية، خصوصاً عندما تكون الرعاية المتخصصة والميسورة الكلفة محدودة. لكن سوء فهم تعبير غير مباشر أو أزمة نفسية أو عارض حساس قد يؤدي إلى طمأنة زائفة أو قلق غير مبرر أو تأخر في الحصول على العلاج.
هذه المشكلات ليست حتمية. فقد يسهم الذكاء الاصطناعي الطبي باللغة العربية في تحسين الوصول إلى الرعاية إذا جرى تطويره واختباره باستخدام مواد صحية أُعدّت أساساً باللغة العربية، بدلاً من الاعتماد بصورة رئيسية على معلومات مترجمة عن الإنجليزية. وينبغي أن تشمل الاختبارات لهجات وطرق نطق ومستويات مختلفة من المعرفة الصحية، إضافة إلى العربيزي والرسائل الصوتية والتواصل الذي يمزج العربية بالإنجليزية أو الفرنسية.
كما يجب تصميم الأنظمة الآمنة بحيث تكون قادرة على إدراك حالات عدم اليقين. فعندما يكون وصف المريض غير واضح، لا ينبغي للنظام أن يخمّن، بل أن يطرح أسئلة متابعة بسيطة ويوجّه الحالات الطارئة أو المعقدة إلى مختصين مؤهلين. كذلك، ينبغي أن تتناول التقييمات المستقلة الدقة السريرية والأداء اللغوي وخصوصية المرضى، وأن تتحقق مما إذا كانت بعض الفئات تتلقى باستمرار إجابات أقل جودة.
يجب أن يكمّل الذكاء الاصطناعي عمل مقدمي الرعاية الصحية، لا أن يحل محلهم. ويتوافق ذلك مع إرشادات منظمة الصحة العالمية، التي تشدد على أهمية الرقابة والشفافية والمساءلة والتصميم الشامل عند استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في مجال الصحة.
ولا تقتصر أهمية تحسين الذكاء الاصطناعي باللغة العربية على روبوتات المحادثة. فالذكاء الاصطناعي يُستخدم بصورة متزايدة في مختلف مراحل رحلة الرعاية الصحية، بدءاً من حجز المواعيد وتقييم الأعراض، وصولاً إلى التواصل مع المرضى ودعم اتخاذ القرارات السريرية. وقد تؤدي محدودية فهم اللغة في أي مرحلة من هذه المراحل إلى سوء التواصل أو تأخير الحصول على الرعاية المناسبة أو الإسهام في حدوث أخطاء طبية.
لذلك، ينبغي التعامل مع قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على فهم العربية الفصحى المعاصرة، واللهجات الإقليمية، والتواصل المختلط بين اللغات، والتعابير اليومية باعتبارها أولوية للصحة العامة وسلامة المرضى، لا مجرد تحسين تقني. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم رعاية صحية أكثر سهولة وإنصافاً، ولكن فقط إذا صُمّم بما يتناسب مع الطرق التي يتواصل بها المرضى، واستُخدم لدعم المختصين المؤهلين، لا ليحل محلهم.