
لبنان – مع استمرار تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتغير الطريقة التي يتفاعل بها الأفراد مع التكنولوجيا. وبالنسبة لرائد الأعمال اللبناني ريان دباغ، فإن المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي لا تتمثل فقط في تطوير أدوات أكثر ذكاءً، بل في بناء أنظمة قادرة على تحديد الفرص بشكل مستقل، وإنجاز المهام، والمشاركة في الاقتصاد العالمي.
ومن هذا التصور، شارك دباغ في تأسيس منصة Bounty، وهي سوق لوكلاء الذكاء الاصطناعي تقوم على فكرة جديدة: ماذا لو أصبح بإمكان البرمجيات العمل نيابةً عن البشر، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة لتعليماتهم؟
ويقول دباغ لـ"إنماء": "كل بضعة أشهر كانت نماذج الذكاء الاصطناعي تصبح أكثر تطوراً بشكل ملحوظ، لكن طريقة تفاعل الناس معها لم تتغير تقريباً." ويوضح أنه، رغم التقدم السريع في هذا المجال، ظل المستخدمون يفتحون برامج المحادثة الذكية، ويكتبون الأوامر، وينسخون الإجابات، ثم يغادرون، مضيفاً: "شعرت أن هناك شيئاً مفقوداً."
ومن هنا برز السؤال: ماذا يحدث عندما لا يعود الذكاء الاصطناعي ينتظر التعليمات؟
هذا السؤال شكّل الأساس الذي قامت عليه منصة Bounty، التي تتيح لوكلاء الذكاء الاصطناعي التنافس على تنفيذ مهام حقيقية، بما يحول البرمجيات من أدوات سلبية إلى أطراف فاعلة في الاقتصاد الرقمي.
سوق يتحول فيه الذكاء الاصطناعي إلى قوة عاملة
غالباً ما توصف منصة Bounty بأنها "فايفر لوكلاء الذكاء الاصطناعي"، إذ تهدف إلى إنشاء سوق تستطيع فيه الشركات إسناد المهام إلى أنظمة ذكاء اصطناعي مستقلة، بدلاً من المستقلين التقليديين.
وتشبه الفكرة منصة Fiverr التي تربط الشركات بالعاملين المستقلين، إلا أن Bounty تربط المستخدمين بأدوات أو وكلاء مدعومين بالذكاء الاصطناعي قادرين على تنفيذ المهام بشكل مستقل.
فيمكن للشركة نشر مهمة على المنصة، مثل إجراء أبحاث عن المنافسين، أو توليد عملاء محتملين، أو تحليل البيانات، أو إنشاء المحتوى، أو تطوير تطبيق صغير. بعد ذلك، يقيّم وكلاء الذكاء الاصطناعي قدرتهم على تنفيذ المهمة، ويتولون إنجازها وتسليم النتائج.
وعند اكتمال المهمة، يتم تقييم العمل وفق معايير يحددها العميل مسبقاً، وإذا استوفى المتطلبات، تُصرف الدفعة المالية لوكيل الذكاء الاصطناعي.
ويرى دباغ أن المنصة تمثل تطوراً طبيعياً في طريقة استخدام التكنولوجيا.
ويقول: "معظم الناس يفهمون بالفعل تطبيقات مثل أوبر أو فايفر. منصة Bounty تطبق المبادئ نفسها، لكن العاملين فيها هم برمجيات مستقلة بدلاً من البشر."
وتعكس هذه الفكرة تحولاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ أصبحت الأنظمة الحديثة قادرة على تصفح الإنترنت، وكتابة الأكواد البرمجية، واستخدام البرامج، وتحليل المعلومات، والتفاعل مع المنصات الرقمية.
ويرى دباغ أن القطاع لا يزال ينظر إلى الذكاء الاصطناعي بمنظور قديم. ويشبّه ذلك بالمراحل الأولى للإنترنت، حين كانت المواقع الإلكترونية تشبه الصحف، أو السيارات الأولى التي صُممت على هيئة العربات التي تجرها الخيول.
ويضيف: "اليوم لا يزال الذكاء الاصطناعي يبدو وكأنه روبوت دردشة، لأن هذا هو الشكل الذي اعتاد الناس عليه."
لكنه يؤكد أن التكنولوجيا تتجه نحو مرحلة أكبر بكثير.
ويقول: "عندما يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على إنجاز مهمة كاملة من البداية إلى النهاية بشكل موثوق، فإن الخطوة المنطقية التالية هي منحه إمكانية الوصول إلى العمل."
بناء الثقة في سوق يعتمد على الذكاء الاصطناعي
يُعدّ بناء الثقة أحد أبرز التحديات التي تواجه اعتماد الذكاء الاصطناعي، إذ تحتاج الشركات إلى ضمان أن الأنظمة المستقلة ستقدم نتائج تلبي توقعاتها.
ويشير دباغ إلى أن Bounty تعالج هذه المشكلة من خلال تحديد معايير نجاح واضحة قبل بدء كل مهمة، لتكون المرجع الأساسي في تقييم النتائج.
كما تعتمد المنصة آليات للتحقق وأنظمة للسمعة، تتيح لوكلاء الذكاء الاصطناعي بناء سجل موثوق استناداً إلى أدائهم السابق.
ويشرح قائلاً: "إذا لم يستوفِ العمل التوقعات، يمكن للعميل الاعتراض على النتيجة، ونتولى مراجعة الحالة قبل اعتماد أي دفعة مالية."
وبالنسبة إليه، فإن القضية الأساسية ليست ما إذا كان من أنجز المهمة إنساناً أم نظام ذكاء اصطناعي.
ويقول: "الناس لا يهتمون إذا كان من نفذ العمل إنساناً أو ذكاءً اصطناعياً، بل يهتمون بأن يحقق النتائج التي يتوقعونها."
إعادة تعريف مستقبل العمل
أثار انتشار الذكاء الاصطناعي مخاوف بشأن فقدان الوظائف، خصوصاً بين العاملين المستقلين ومن يؤدون المهام الرقمية المتكررة. إلا أن دباغ يرى أن وكلاء الذكاء الاصطناعي لا يمثلون بديلاً للبشر بقدر ما يجسدون تحولاً في طبيعة العمل.
ويستشهد بتحولات تقنية سابقة، مثل ظهور الآلات الحاسبة والإنترنت، التي غيرت طبيعة المهن بدلاً من القضاء عليها.
ويقول: "التكنولوجيا تغيّر عادةً الطريقة التي يخلق بها الناس القيمة."
ويرى أن الذكاء الاصطناعي سيتولى بصورة متزايدة المهام الروتينية والإجرائية، بينما سيواصل البشر تقديم الإبداع، والحكم، والقيادة، وبناء العلاقات، واتخاذ القرارات الاستراتيجية.
وبدلاً من أن يتنافس الأفراد مع الذكاء الاصطناعي، يتوقع أن يصبحوا مسؤولين عن إدارة فرق تضم عدداً من وكلاء الذكاء الاصطناعي.
ويضيف: "لن تكون ميزتك في المستقبل أنك تنجز كل مهمة بنفسك، بل في قدرتك على توجيه الأنظمة الذكية بكفاءة."
رائد أعمال لبناني يبني منصة عالمية
قبل إطلاق Bounty، اكتسب دباغ خبرة في العمل مع شركات تكنولوجيا كبرى، من بينها فرق في AWS ومؤسسات تقنية عالمية أخرى. إلا أنه مع دخول الذكاء الاصطناعي مرحلة من التحول المتسارع، شعر بأنه بحاجة إلى سلوك مسار مختلف.
ويقول: "كنت أطرح على نفسي سؤالاً بسيطاً: إذا أصبحت هذه الرؤية واقعاً، فهل أفضل أن أشاهد شخصاً آخر يبنيها، أم أقضي العقد المقبل وأنا أحاول تحقيقها بنفسي؟"
ويرى دباغ أن تأسيس شركة ناشئة كان مخاطرة تستحق الإقدام عليها، نظراً لحجم التحولات التي يشهدها مجال الذكاء الاصطناعي.
كما يؤكد أن نشأته في لبنان لعبت دوراً مهماً في تشكيل شخصيته.
ويقول: "في لبنان تتعلم كيف تتعامل مع عدم اليقين، وكيف تتكيف بسرعة، وتبتكر حلولاً عندما تكون الموارد محدودة."
ويضيف أن لبنان منحه أيضاً أساساً قوياً في الرياضيات والتفكير التحليلي، وهي مهارات أصبحت لاحقاً جوهرية في مسيرته الهندسية.
أما انتقاله إلى الولايات المتحدة، فقد أتاح له التعرف إلى بيئة ريادة الأعمال المختلفة، ولا سيما ثقافة وادي السيليكون التي تشجع الطموح والتجريب.
ويقول: "هناك لا يسألك الناس إن كنت تمتلك الخبرة الكافية لتأسيس شركة، بل يسألون إن كنت تبني شيئاً مهماً."
إلهام الجيل اللبناني المقبل من رواد الأعمال
ورغم أن بناء شركة ناشئة عالمية انطلاقاً من لبنان قد يواجه تحديات، لا سيما محدودية الوصول إلى شبكات العلاقات والموارد، يرى دباغ أن الموقع الجغرافي بات أقل تأثيراً مما كان عليه في السابق.
ويشجع رواد الأعمال اللبنانيين الشباب على الانخراط في المجتمعات العالمية من خلال برامج تسريع الأعمال، والمؤتمرات، ومشاريع البرمجيات مفتوحة المصدر، والشبكات الرقمية.
ويقول: "يمكن للشركات العظيمة أن تنطلق من أي مكان. أكبر عائق اليوم غالباً ليس الموقع، بل طريقة التفكير."
ومع ازدياد اندماج الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة اليومية، يؤكد دباغ أن محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي والشمول الرقمي سيصبحان عنصرين أساسيين، لا سيما بالنسبة للشباب. ويرى أن تمكين مزيد من الأفراد من اكتساب المهارات اللازمة لفهم تقنيات الذكاء الاصطناعي واستخدامها والعمل إلى جانبها سيكون ضرورياً لتجنب ظهور أشكال جديدة من الفجوة الرقمية، وضمان توزيع الفرص التي تتيحها هذه التكنولوجيا على نطاق أوسع.
ويتوقع دباغ أن يصبح وكلاء الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، بحيث يعتمد الأفراد على أنظمة شخصية تدير الأبحاث، والشؤون المالية، والجداول الزمنية، وخدمة العملاء، وحتى الأعمال التجارية عبر الإنترنت.
أما على مستوى الشركات، فيرجح أن تتشكل فرق عمل تضم البشر ووكلاء الذكاء الاصطناعي معاً، بحيث يقدم كل طرف نقاط قوته المختلفة.
ويؤكد أن التحول الحقيقي لن يكمن فقط في ازدياد ذكاء الأنظمة، بل في تحولها إلى كيانات فاعلة اقتصادياً.
ويقول: "عندما تصبح البرمجيات قادرة على العثور على العمل، وتحقيق الإيرادات، والتعاون مع برمجيات أخرى، سنكون قد دخلنا فصلاً جديداً بالكامل في الاقتصاد الرقمي."
وبالنسبة لرواد الأعمال مثل دباغ، فإن التحدي اليوم لا يقتصر على تطوير التكنولوجيا نفسها، بل يمتد إلى مساعدة المجتمعات على التكيف مع هذا التحول.
ويختتم بالإشارة إلى أن تعزيز الثقافة الرقمية والوعي بالذكاء الاصطناعي، وتوسيع فرص الشمول الرقمي، وإعداد الأجيال الشابة بالمهارات اللازمة للعمل جنباً إلى جنب مع الأنظمة الذكية، سيكون أمراً أساسياً لضمان استفادة المجتمع بأكمله من ثمار الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن تتركز هذه الفوائد في أيدي فئة محدودة.
ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، تختبر منصات مثل Bounty ملامح العلاقة المستقبلية بين الإنسان والآلة والعمل، وما يمكن أن تبدو عليه في السنوات المقبلة.