
الشرق الأوسط - من المتوقع أن يحقق الاقتصاد السوري نمواً من رقمين في عام 2026، وأن يحافظ على نمو قوي خلال عام 2027، وفقاً لما أعلنه صندوق النقد الدولي عقب بعثة خبراء تابعة له إلى دمشق.
وأشار بيان صندوق النقد الدولي الصادر في 4 آب 2026 إلى أن التوقعات الاقتصادية تتحسن بفضل تعافي قطاع الزراعة، وارتفاع إنتاج الهيدروكربونات، وتعزيز التجارة والخدمات، واستمرار عودة اللاجئين.
وزار فريق صندوق النقد الدولي، برئاسة رون فان رودن، دمشق في الفترة بين 19 و23 تموز لتقييم الأوضاع الاقتصادية، ومراجعة تقدم الحكومة في تنفيذ الإصلاحات، والاتفاق على حزمة جديدة من المساعدات الفنية، في خطوة جديدة ضمن انخراط الصندوق المتزايد مع سوريا.
وتأتي البعثة في وقت تسعى فيه سوريا إلى إعادة بناء اقتصادها بعد سنوات من الصراع والعزلة. وبينما توقع الصندوق تسارعاً كبيراً في النمو، حذّر من أن معدلات الفقر لا تزال مرتفعة، وأن المكاسب الاقتصادية غير متوازنة بين المناطق، وأن إصلاحات هيكلية واسعة ستكون ضرورية للحفاظ على مسار التعافي.
تقدم في التعافي رغم التوترات الإقليمية
وفقاً لصندوق النقد الدولي، بدأ الاقتصاد السوري بالتعافي عام 2025 مع تحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين عقب التحول السياسي في البلاد، بالتزامن مع عودة نحو 1.5 مليون لاجئ وبدء إعادة الاندماج التدريجي في الأسواق الإقليمية والعالمية.
ورغم أن موجة جفاف شديدة أثرت على الإنتاج الزراعي العام الماضي، قال الصندوق إن تحسن معدلات هطول الأمطار في عام 2026 يدعم انتعاشاً قوياً في القطاع الزراعي، في وقت يواصل فيه إنتاج الهيدروكربونات، وتوليد الكهرباء، والتجارة والخدمات التوسع.
كما أرجع الصندوق تحسن التوقعات إلى ارتفاع أعداد اللاجئين العائدين والزوار، إلى جانب سياسات حكومية تهدف إلى استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي وتشجيع النمو القائم على القطاع الخاص.
ورغم استمرار الصراعات في المنطقة الأوسع، يتوقع الصندوق استمرار تعافي سوريا خلال عام 2027.
استمرار الضغوط التضخمية
في حين تسارع النشاط الاقتصادي، ارتفع التضخم بشكل حاد خلال عام 2026 بعد أن تراجع إلى مستويات منخفضة من خانة العشرات عام 2025.
وأوضح صندوق النقد أن ارتفاع الأسعار العالمية للوقود والغذاء، المرتبط جزئياً بالصراعات الإقليمية، إلى جانب قوة الطلب المحلي، وزيادات أجور القطاع العام، وارتفاع أسعار الخدمات الأساسية وتكاليف السكن، ساهمت جميعها في تجدد الضغوط التضخمية.
ويتوقع الصندوق تراجع التضخم خلال عام 2027، بشرط انخفاض الضغوط الناتجة عن أسعار الواردات واستمرار السلطات في تطبيق سياسات مالية ونقدية حذرة.
تحسن المالية العامة لكن الإصلاحات تبقى ضرورية
قال صندوق النقد الدولي إن الوضع المالي لسوريا شهد تحسناً ملحوظاً.
وسجلت الحكومة المركزية فائضاً بسيطاً في الموازنة عام 2025 بعد الحد من الإنفاق بما يتناسب مع الموارد المتاحة، مع إعطاء الأولوية للخدمات الأساسية. ومن المتوقع أن ترتفع الإيرادات الحكومية بشكل كبير خلال عام 2026، مدفوعة بتحسن تحصيل الضرائب والجمارك، وزيادة إيرادات الهيدروكربونات، إلى جانب إيرادات استثنائية تشمل رسوم تراخيص الاتصالات ورسوم عبور الوقود.
لكن الصندوق حذر من أن الإنفاق الرأسمالي سيبقى على الأرجح محدوداً بسبب شح الموارد.
ودعا السلطات إلى مواصلة تعزيز إدارة المالية العامة، وتحسين تحصيل الضرائب، وتقليص الإعفاءات الضريبية، وتعزيز الرقابة على العمليات خارج الموازنة والتزامات الحكومة.
وبحسب الصندوق، سيكون تعزيز تعبئة الإيرادات أمراً أساسياً لتوفير مساحة مالية للاستثمار في البنية التحتية وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية التي تستهدف الفئات الأكثر هشاشة.
إصلاحات القطاع المصرفي أولوية عاجلة
وصف صندوق النقد الدولي القطاع المصرفي السوري بأنه يعاني من اختلالات كبيرة، محذراً من أن نقاط الضعف في النظام المالي لا تزال تحد من فعالية السياسة النقدية.
ورغم نجاح مصرف سوريا المركزي في طرح عملة جديدة، قال الصندوق إن إصلاحات مصرفية شاملة باتت ضرورية بشكل عاجل لاستعادة دور الوساطة المالية وتحسين أنظمة الدفع المحلية والدولية.
وتشمل الأولويات الرئيسية اعتماد تشريعات جديدة للمصرف المركزي والقطاع المصرفي، وتقييم الوضع المالي للمصارف وفق المعايير الدولية، وتعزيز الرقابة المالية.
كما شدد الصندوق على أهمية تطوير إطار مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (AML/CFT)، مشيراً إلى أن إحراز تقدم في هذه المجالات سيدعم إعادة اندماج سوريا في النظام المالي الدولي ويساعد على تسهيل رفعها من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF).
توسع المساعدات الفنية وسط تساؤلات حول تمويل صندوق النقد
ورغم أن البعثة تعكس تعمق التعاون بين سوريا وصندوق النقد الدولي، لم يعلن الصندوق بدء مفاوضات بشأن اتفاق تمويلي أو برنامج إصلاح اقتصادي.
وبدلاً من ذلك، اتفق الجانبان على توسيع المساعدات الفنية في مجالات إدارة المالية العامة، وإعادة تأهيل القطاع المصرفي، وإدارة الديون، والتشريعات المالية، والسياسة النقدية، والإحصاءات الاقتصادية.
وقال الصندوق إن تحسين جودة وتوفر البيانات الاقتصادية السورية لا يزال أولوية، مشيراً إلى أن نقاط الضعف الإحصائية ما زالت تعيق إجراء تقييم شامل للاقتصاد. وأضاف أن تحسين البيانات سيمهد الطريق أمام استئناف مشاورات المادة الرابعة مستقبلاً، وهي المراجعات الاقتصادية الدورية التي يجريها الصندوق للدول الأعضاء.
كما أكد الصندوق أن إعادة إعمار سوريا ستحتاج إلى دعم مالي دولي مستدام يتجاوز المساعدات الإنسانية، بما يشمل الاستثمار في البنية التحتية، والإسكان، وفرص العمل، والخدمات العامة.
وأضاف أن قدرة سوريا على جذب تمويل تنموي طويل الأجل ستعتمد جزئياً على معالجة الديون المتراكمة وتطوير أسواق رأس المال المحلية.
ورغم أن البعثة الأخيرة تظهر تنامياً في مستوى التواصل بين دمشق وصندوق النقد الدولي بعد سنوات من محدودية التعاون، فإن سوريا لا تخضع حالياً لأي برنامج تمويلي من الصندوق، ولم يشر الصندوق إلى وجود مفاوضات جارية بشأن برنامج من هذا النوع.
وبدلاً من ذلك، يتركز التعاون الحالي على بناء المؤسسات، وتقديم المشورة بشأن السياسات، والمساعدات الفنية، بهدف وضع الأسس اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي مستقبلاً، وفتح المجال أمام تعاون مالي أعمق في المراحل المقبلة.