
العالم - عندما نتحدث عن العنف ضد النساء، غالبًا ما يتبادر إلى الذهن العنف الجسدي أو النفسي أو الجنسي. لكن للعنف وجهًا اقتصاديًا أيضًا، وقد يظهر داخل الأسرة أو في مكان العمل أو من خلال حرمان المرأة من فرصها في التعليم والعمل والاستقلال المالي.
والقضية لا تتوقف عند تأثير العنف على المرأة وحدها، إذ تشير الدراسات إلى أن العنف ضد النساء يفرض أيضًا كلفة اقتصادية على الأسر والدول والمجتمعات، من خلال خسارة الدخل والإنتاجية، وارتفاع تكاليف الصحة والخدمات الاجتماعية والقضاء.
ما هو العنف الاقتصادي؟
العنف الاقتصادي هو أحد أشكال العنف الذي يُستخدم فيه المال أو الموارد الاقتصادية كوسيلة للسيطرة على المرأة أو إخضاعها.
وقد يشمل ذلك منع المرأة من العمل، التحكم بدخلها، حرمانها من الوصول إلى المال أو الحسابات المصرفية، منعها من امتلاك أو استخدام الموارد، أو عرقلة وصولها إلى التعليم والعمل.
ويعرّف البنك الدولي الإساءة الاقتصادية بأنها التحكم بقدرة المرأة على الوصول إلى الموارد الاقتصادية، بما فيها المال والتعليم والعمل، كوسيلة للترهيب والإكراه. ووفق دراسة للبنك الدولي، كانت نحو 1.4 مليار امرأة تفتقر إلى حماية قانونية من العنف الاقتصادي الأسري في وقت إجراء الدراسة.
لماذا يشكّل الاستقلال المالي عاملًا مهمًا؟
الاستقلال الاقتصادي لا يعني فقط قدرة المرأة على الإنفاق، بل يمكن أن يؤثر في قدرتها على اتخاذ القرارات ومغادرة علاقة عنيفة وطلب المساعدة.
فعندما تكون المرأة معتمدة ماليًا بشكل كامل على الشخص الذي يمارس العنف، قد تصبح مغادرة العلاقة أكثر صعوبة بسبب الخوف من فقدان المسكن أو الدخل أو القدرة على إعالة الأطفال.
ويشير البنك الدولي إلى أن الاعتماد الاقتصادي قد يدفع بعض النساء إلى الاستمرار في علاقات عنيفة، وأن الحماية القانونية تحتاج إلى أن تأخذ في الاعتبار الأمن الاقتصادي للناجيات، بما في ذلك تكاليف السكن والرعاية الصحية والنفقة ودعم الأطفال.
لكن كيف يؤثر العنف على الاقتصاد نفسه؟
العلاقة ليست باتجاه واحد. فالعنف لا يضر بالمرأة فقط، بل يمكن أن يؤدي إلى خسائر اقتصادية واسعة.
فعندما تتعرض المرأة للعنف، قد تضطر إلى التغيب عن العمل، أو تخسر جزءًا من دخلها، أو تتراجع إنتاجيتها، أو تترك العمل بالكامل. كما يمكن أن تتحمل الأسرة نفقات إضافية للعلاج والرعاية والخدمات القانونية.
وعلى مستوى الدولة، تتحمل قطاعات الصحة والقضاء والخدمات الاجتماعية جزءًا من هذه الكلفة.
وتشير الأمم المتحدة للمرأة إلى أن الكلفة الاقتصادية للعنف ضد النساء تشمل تكاليف مباشرة، مثل العلاج والخدمات والملاجئ، وتكاليف غير مباشرة، مثل خسارة الدخل والإنتاجية.
أرقام تكشف حجم المشكلة
تختلف الكلفة الاقتصادية للعنف من بلد إلى آخر، لكن بعض الأرقام تعطي فكرة عن حجمها.
في فيتنام، تمثل النفقات المباشرة من جيوب النساء وخسارة الدخل الناتجة عن العنف نحو 1.41% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تكسب النساء اللواتي يتعرضن للعنف أقل بنحو 35% من النساء اللواتي لم يتعرضن له.
وفي مصر، تُقدّر الأمم المتحدة خسارة نحو 500 ألف يوم عمل سنويًا بسبب العنف الزوجي، فيما يتحمل القطاع الصحي أكثر من 14 مليون دولار من التكاليف لخدمة نحو ربع الناجيات المقدّر عددهن بـ600 ألف امرأة.
أما في المغرب، فقُدّرت الكلفة السنوية للعنف الجسدي و/أو الجنسي ضد النساء بنحو 2.85 مليار درهم، أي حوالي 308 ملايين دولار. وفي الاتحاد الأوروبي، قُدّرت الكلفة الإجمالية للعنف القائم على النوع الاجتماعي بنحو 366 مليار يورو سنويًا، منها 289 مليار يورو مرتبطة بالعنف ضد النساء.
ماذا يحدث في سوق العمل؟
لا يقتصر الأثر الاقتصادي على العنف داخل المنزل. فالعنف والتحرش في مكان العمل يمكن أن يؤثرا على وصول النساء إلى سوق العمل واستمرارهن فيه وتطورهن المهني.
وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن العنف والتحرش ضد النساء في عالم العمل يعيقان تمكينهن وتقدمهن في سوق العمل، كما يؤثران في إنتاجية المؤسسات والاقتصاد بشكل عام.
وفي عام 2018، قُدّرت كلفة التحرش الجنسي في مكان العمل عالميًا بنحو 2.6 مليار دولار من خسائر الإنتاجية، إضافة إلى نحو 900 مليون دولار من التكاليف المالية الأخرى.
كما تشير منظمة العمل الدولية إلى أن أكثر من واحد من كل خمسة أشخاص عاملين تعرض لشكل من أشكال العنف أو التحرش في مكان العمل، وفق تقريرها العالمي.
العنف ضد النساء ليس "مشكلة خاصة" بالأسرة
من المنظور الاقتصادي، يصبح من الصعب اعتبار العنف ضد النساء قضية فردية أو عائلية فقط.
فعندما تخسر امرأة جزءًا من دخلها بسبب العنف، تتأثر أسرتها. وعندما تترك العمل، يخسر الاقتصاد جزءًا من إنتاجيتها. وعندما تحتاج إلى علاج أو خدمات اجتماعية أو قانونية، تتحمل المؤسسات العامة جزءًا من الكلفة.
ولهذا، تعتبر الأمم المتحدة للمرأة أن العنف ضد النساء ينعكس على النساء والأسر والمجتمعات والاقتصادات، ويشكل عائقًا أمام التنمية المستدامة.
هل الاستقلال الاقتصادي يمكن أن يساعد في الحد من العنف؟
الاستقلال الاقتصادي ليس حلًا وحيدًا للعنف، لكنه يمكن أن يكون عنصرًا مهمًا في الوقاية والاستجابة.
فالوصول إلى العمل والدخل والتعليم والموارد المالية يمكن أن يعزز قدرة النساء على اتخاذ القرارات، ويقلل من الاعتماد الاقتصادي على الشريك، ويوسع الخيارات المتاحة أمام الناجيات.
وفي المقابل، تشير الأمم المتحدة للمرأة إلى أن معالجة عدم المساواة الاقتصادية بين النساء والرجال مهمة أيضًا للحد من العنف على المدى الطويل.
وماذا عن لبنان؟
في لبنان، تكتسب المسألة أهمية إضافية في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنزوح، التي يمكن أن تزيد من هشاشة النساء وتحد من وصولهن إلى الدخل والخدمات.
وفي إحاطة لها في آذار 2026، أشارت الأمم المتحدة للمرأة إلى أن النساء في لبنان يواجهن أصلًا محدودية في الوصول إلى الدخل، وعدم مساواة في الحماية القانونية، وتراجعًا في الوصول إلى الخدمات، وأن النزوح وفقدان سبل العيش وضعف شبكات الدعم يمكن أن يزيد هذه الهشاشة.
لذلك، فإن النظر إلى العنف ضد النساء من زاوية اقتصادية لا يعني تحويل القضية إلى أرقام فقط، بل فهم كيف يمكن للفقر والاعتماد المالي وضعف فرص العمل والعنف نفسه أن تتداخل وتُبقي المرأة في دائرة من الهشاشة.