
لبنان - يتلقى لبنان نحو 823 ملم من المتساقطات سنويًا، وهي من أعلى المعدلات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلا أن نحو 45% فقط من موارده المائية المتاحة تُستخدم حاليًا، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى محدودية البنية التحتية لتخزين المياه.
ويبرز ذلك دور البحيرات والخزانات وغيرها من أنظمة المياه السطحية في تخزين المياه، ودعم الري، وتخفيف الضغط على المياه الجوفية، والحفاظ على إمدادات المياه العذبة.
وتزداد أهمية هذه الوظائف مع تغير المناخ الذي يؤثر في الدورة المائية في لبنان. ومن المتوقع أن تتراجع توافرية المياه بنسبة تصل إلى 9% بحلول عام 2040، وبنسبة قد تصل إلى 50% خلال موسم الجفاف، نتيجة انخفاض الجريان السطحي، وتراجع تغذية المياه الجوفية، وتقلص فترات ذوبان الثلوج، وارتفاع معدلات التبخر.
في الوقت نفسه، يقوّض التلوث الفوائد البيئية التي توفرها أنظمة المياه العذبة في لبنان. ولا تزال مياه الصرف الصحي غير المعالجة مصدرًا رئيسيًا لتلوث المياه، إلى جانب التصريفات الصناعية، والجريان السطحي الزراعي، ورشاحة مطامر النفايات، وتصريفات المقالع. ولا تتم معالجة سوى نحو 6-7% من مياه الصرف الصحي حاليًا وفق معايير المعالجة الثانوية أو الثلاثية الملائمة.
ووجد تقرير للبنك الدولي أيضًا تلوثًا بكتيريًا في 95% من العينات المأخوذة من 14 نهرًا رئيسيًا دائم الجريان، فيما تجاوزت 60% على الأقل من العينات المعايير الميكروبيولوجية الخاصة بالري.
حوض نهر الليطاني
يقدم حوض نهر الليطاني أحد أوضح الأمثلة على أهمية موارد المياه العذبة في لبنان وهشاشتها في الوقت نفسه.
يغطي الحوض نحو 20% من مساحة لبنان، ويضم ما يقارب 30% من الموارد المائية في البلاد، ويدعم نحو 42% من الأراضي المروية، ويوفر مياه الشرب لما يقارب مليون شخص. إلا أنه يتأثر بشدة أيضًا بمياه الصرف الصحي والتصريفات الصناعية والزراعية، إضافة إلى الاستخدام المفرط للمواد الكيميائية والأسمدة.
كما يربط الحوض جغرافيًا بين مناطق متباعدة من لبنان. فالمياه المتأتية من البقاع يمكن أن تدعم في نهاية المطاف عمليات الري والمجتمعات الواقعة في مناطق أبعد جنوبًا. فعلى سبيل المثال، يهدف مشروع القناة 800 التابع للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني إلى نقل نحو 100 مليون متر مكعب من المياه من بحيرة القرعون لري ما يقارب 15 ألف هكتار، على أن يستفيد من مياه الري نحو 77 بلدة، فيما تستفيد نحو 99 بلدة من مياه الشرب.
وتهدد هذه الوظائف مصادر تلوث تشمل مياه الصرف الصحي غير المعالجة، والتصريفات الصناعية والزراعية، والتخلص من النفايات، والاستخدام المفرط للأسمدة والمواد الكيميائية. وبالتالي، لا تقتصر المشكلة على الحالة البيئية للنهر، إذ يمكن لتدهور جودة المياه أن يؤثر أيضًا في الري والصحة العامة والمجتمعات التي تعتمد على الحوض.
بحيرة القرعون
في الطرف الذي تصب فيه مياه الليطاني الأعلى، تقع بحيرة القرعون، وهي أكبر بحيرة اصطناعية في لبنان وواحدة من أهم منشآت البنية التحتية المائية في البلاد. وقد تشكلت البحيرة عقب بناء سد القرعون في أوائل ستينيات القرن الماضي، وتغطي نحو 12.3 كيلومترًا مربعًا، وتبلغ قدرتها التخزينية نحو 220-225 مليون متر مكعب من المياه.
ولا تقتصر أهمية البحيرة على تخزين المياه، إذ يدعم نظام القرعون الري وتوليد الطاقة الكهرومائية، ما يربط البحيرة بالإنتاج الزراعي وتوليد الطاقة.
كما يجعل موقعها من البحيرة انعكاسًا للضغوط البيئية التي تحدث في مختلف أنحاء الحوض المائي الأوسع. إذ تتراكم في البحيرة الملوثات التي تحملها المياه من المناطق السكنية والمنشآت الصناعية والمناطق الزراعية الواقعة في اتجاه مجرى النهر، ما يساهم في تدهور جودة المياه. وبالتالي، تجسد بحيرة القرعون تحديًا أوسع نطاقًا: فقد يفقد خزان أُنشئ لتأمين المياه العذبة والاستفادة منها جزءًا من قيمته البيئية والاقتصادية عندما لا تتم حماية الحوض الذي يغذيه بالشكل الكافي.
البحيرات وسبل العيش والتنمية المستدامة
لذلك، يرتبط الحفاظ على البحيرات ارتباطًا وثيقًا بالتنمية المستدامة. ويدعو الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة (المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي) ليس فقط إلى تحسين جودة المياه واستخدامها بشكل مستدام، بل أيضًا وبشكل محدد إلى حماية واستعادة النظم البيئية المرتبطة بالمياه، بما فيها البحيرات.
وفي حالة بحيرة القرعون، تبدو هذه العلاقة ملموسة؛ إذ يساعد الحفاظ على جودة المياه في حماية مورد يدعم الزراعة والطاقة الكهرومائية. ويمكن لأنظمة المياه العذبة الأكثر نظافة أن تساهم بالتالي في دعم سبل عيش المزارعين، والإنتاج الغذائي، والأمن المائي، وتوليد الطاقة، في حين توفر النظم البيئية المائية السليمة فوائد بيئية بحد ذاتها.
ولا يمكن حماية موارد المياه العذبة في لبنان من خلال التركيز على كمية المياه وحدها. فثمة حاجة إلى تحسين معالجة مياه الصرف الصحي، وتعزيز الرقابة على مصادر التلوث، واعتماد إدارة متكاملة للأحواض المائية، للحفاظ على الوظائف البيئية للبحيرات وضمان استمرار مساهمتها في سبل العيش وتعزيز قدرة لبنان على الصمود مائيًا على المدى الطويل.