
العالم – تعيش النساء فترة أطول من الرجال، إلا أنهن يقضين سنوات أكثر من حياتهن مع مشكلات صحية أو إعاقة. ووفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي، تقضي النساء عالمياً 25% من سنوات حياتهن في حالة صحية سيئة أو مع إعاقة أكثر من الرجال. ويرتبط جزء كبير من هذه الفجوة بعوامل يمكن معالجتها، أبرزها تأخر تشخيص النساء، والتشكيك في أعراضهن، ونقص تمثيلهن في الأبحاث الطبية، وذلك في مختلف مراحل منظومة الرعاية الصحية.
عندما يتعلق الأمر بالألم... النساء يدفعن الثمن
تنتظر النساء اللواتي يصلن إلى أقسام الطوارئ بسبب آلام في الصدر وقتاً أطول بنسبة 29% من الرجال لتقييم احتمال تعرضهن لنوبة قلبية. وفي مراجعة لنحو 22 ألف سجل طبي من أقسام الطوارئ، أظهرت البيانات أن النساء كنّ أقل احتمالاً للحصول على مسكنات للألم مقارنة بالرجال، حتى عندما أبلغ الطرفان عن المستوى نفسه من الألم.
كما كان احتمال قيام طواقم التمريض بتسجيل درجة الألم لدى النساء أقل بنسبة 10%، في حين أمضت النساء، في المتوسط، نحو نصف ساعة إضافية في أقسام الطوارئ قبل تلقي الرعاية.
ولم يقتصر هذا التفاوت على جنس مقدّم الرعاية الصحية، إذ ظهر سواء كان الطبيب أو الممرض رجلاً أو امرأة، ما يشير إلى أن المشكلة تتجاوز الممارسات الفردية، لتصبح جزءاً من أنماط متجذرة في كيفية فهم الطب لأعراض النساء وتقييم آلامهن.
ويظهر هذا التحيّز أيضاً في إجراءات طبية أكثر خصوصية، بينها إدخال اللولب الرحمي، وهو وسيلة صغيرة لمنع الحمل توضع داخل الرحم. فحوالي 70% من النساء يبلغن عن شعورهن بألم متوسط إلى شديد أثناء الإجراء، في حين لا يقدم سوى نحو 3 من كل 10 أطباء تخديراً لتخفيف الألم، بينما لا توفر قرابة 4 من كل 10 عيادات أي وسيلة لتسكين الألم.
وفي كثير من الحالات، لا تتجاوز النصيحة المقدمة للمرأة عبارة: «حاولي الاسترخاء».
قد يستغرق التشخيص عقداً كاملاً
تُعدّ بطانة الرحم المهاجرة (Endometriosis)، وهي حالة ينمو فيها نسيج شبيه ببطانة الرحم خارج الرحم، من أبرز الأمثلة على التأخر في تشخيص أمراض النساء. وتتسبب الحالة بآلام قد تكون شديدة، ولا سيما خلال فترة الدورة الشهرية.
ويستغرق تشخيص بطانة الرحم المهاجرة في المتوسط بين ست و10 سنوات، بحسب البلد والدراسة، فيما وصلت فترة الانتظار في بعض الحالات إلى 27 عاماً.
ولا يرتبط هذا التأخر بكون المرض نادراً أو غامضاً، بقدر ما يرتبط بتطبيع آلام الدورة الشهرية والتعامل معها على أنها جزء طبيعي من حياة المرأة. ونتيجة لذلك، قد يُنظر إلى الألم الشديد أو الذي يعيق الحياة اليومية على أنه أمر عادي، بدلاً من اعتباره عرضاً يستوجب التقييم الطبي.
وتشير إفادات مريضات إلى اضطرارهن إلى زيارة عدد من الأطباء والمتخصصين، وإعادة شرح الأعراض نفسها مراراً، بل وأحياناً إلى بذل جهود إضافية لإقناع مقدمي الرعاية بأن الألم الذي يعانين منه حقيقي ويستدعي إجراء الفحوص اللازمة.
منظومة طبية لم تُبنَ على أجساد النساء
لا تكمن المشكلة في ممارسات بعض الأطباء تجاه مريضات بعينهن فحسب، بل تمتد إلى بنية النظام الطبي والبحثي نفسه.
فحتى عام 1993، لم يكن القانون الأميركي يفرض إدراج النساء في التجارب السريرية الخاصة بالأدوية. وقبل ذلك، وتحديداً في عام 1977، استبعدت إرشادات رسمية النساء «في سن الإنجاب» من المراحل المبكرة للتجارب السريرية.
ونتيجة لذلك، طُوّرت نسبة كبيرة من الأدوية والعلاجات المتداولة لعقود، كما حُددت جرعاتها، استناداً بدرجة كبيرة إلى بيانات مستمدة من أجساد الرجال.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن الجنس يمكن أن يؤثر في كيفية استقلاب الأدوية، وطريقة ظهور الأعراض، واستجابة الجسم للعلاج، فضلاً عن الجرعة المناسبة لكل مريض.
وبعد عقود من ذلك، لا يزال القطاع الطبي يفتقر إلى إجابات كافية عن عدد من الأسئلة الأساسية المتعلقة بالاختلافات بين أجساد النساء والرجال في الاستجابة للعلاجات، بعدما ظلت البيانات المتعلقة بهذه الفروقات ناقصة لسنوات طويلة.
لبنان: فجوة صحية تتفاقم تحت وطأة الأزمة
في لبنان، تتقاطع هذه الفجوة الصحية العالمية مع أزمة اقتصادية طالت بشكل خاص خدمات واحتياجات الصحة الجنسية والإنجابية.
فمنذ انهيار العملة اللبنانية، ارتفعت أسعار الفوط الصحية ومنتجات الدورة الشهرية إلى ما بين أربعة و10 أضعاف مستوياتها السابقة لعام 2019، في حين لم تشملها برامج دعم السلع الأساسية.
وقد ساهم ذلك في تعميق ظاهرة ما يُعرف بـ "فقر الدورة الشهرية" (Period Poverty)، أي عدم قدرة النساء والفتيات على الوصول بشكل منتظم إلى منتجات الدورة الشهرية والخدمات والمعلومات المرتبطة بها.
ويشير باحثون في مجال الصحة العامة إلى أن الصحة الجنسية والإنجابية لم تكن أصلاً ضمن الأولويات الأساسية للسياسات العامة في لبنان، قبل أن تتراجع أكثر في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة التي شهدها البلد.
ورغم إظهار النظام الصحي اللبناني قدرة ملحوظة على الصمود في الحفاظ على خدمات الطوارئ والرعاية الصحية للأمهات خلال سنوات الأزمات، بقيت الصحة الإنجابية في موقع أقل أولوية مما ينبغي، حتى قبل الانهيار الاقتصادي.
وبالتالي، لا تواجه النساء في لبنان التحيّزات الطبية نفسها التي توثقها الدراسات العالمية فحسب، بل يواجهنها داخل نظام صحي يعمل في ظل موارد محدودة، ونقص في بعض الاختصاصات، وبيئة سياسات عامة لم تضع صحة النساء في صدارة أولوياتها بصورة كافية.
ما الذي يجب أن يتغير؟
يتطلب الحد من هذه الفجوة اعتماد مقاربة أكثر شمولاً وعدالة في الرعاية الصحية، تبدأ بجمع واستخدام بيانات صحية مصنفة حسب الجنس، بما يضمن أن تستند الأبحاث الطبية وتطوير العلاجات إلى بيانات تمثل النساء والرجال على حد سواء.
كما يتطلب الأمر تدريب العاملين في القطاع الصحي على التعرف إلى التحيّزات غير المقصودة التي قد تؤثر في طريقة تقييمهم لأعراض النساء وآلامهن، وتعزيز قدرتهم على التعامل معها وفق معايير طبية موضوعية.
أما في لبنان، فتبرز الحاجة بصورة خاصة إلى حماية تمويل خدمات الصحة الجنسية والإنجابية وضمان استمراريتها، لا سيما في ظل الضغوط المالية التي تواجه مختلف قطاعات الدولة.
فالمنظومات الصحية التي يفترض أن تشخّص أمراض النساء وتعالجها لم تُصمّم دائماً مع أخذ خصوصية أجسادهن واحتياجاتهن الصحية في الاعتبار بالشكل الكافي. وتظهر نتائج ذلك في كل تأخير في الوصول إلى التشخيص، وكل علاج لم يُختبر بما يكفي على أجساد النساء، وكل حالة ألم لا تحظى بالتقييم والاهتمام اللازمين.
إنها فجوة يمكن معالجتها، لكن الخطوة الأولى نحو ذلك تبدأ بالاعتراف بها، وفهم جذورها، وإدراج صحة النساء في صميم السياسات الصحية والبحث الطبي.