
بيروت – أطلق «الميثاق العالمي للأمم المتحدة» في لبنان (UNGC Lebanon) ورقة سياسات بعنوان «تعزيز بيئات العمل الشاملة للنوع الاجتماعي في لبنان: موجز إرشادي للسياسات والمؤسسات»، تتناول أبرز التحديات التي تواجه مشاركة النساء في سوق العمل، وتقترح مجموعة من الإجراءات العملية لتعزيز المساواة بين الجنسين داخل المؤسسات.
وتستند الورقة إلى نتائج ومناقشات مجموعة التعلّم من الأقران حول المساواة بين الجنسين لعام 2025، وتهدف إلى معالجة الفجوة بين التزامات الشركات المعلنة تجاه المساواة بين الجنسين وبين تطبيق هذه الالتزامات فعلياً داخل أماكن العمل.
وأُعدّت الورقة تحت الإشراف الاستراتيجي للمديرة التنفيذية لشبكة الميثاق العالمي للأمم المتحدة في لبنان دينا فخوري، وبإعداد مسؤولة الاتصالات يارا صليبا.
فجوة مستمرة في سوق العمل
وتسلّط الورقة الضوء على التفاوت المستمر في مشاركة النساء والرجال في سوق العمل اللبناني. وبحسب الأرقام التي تستند إليها الورقة من إدارة الإحصاء المركزي ومنظمة العمل الدولية، تبلغ مشاركة النساء في القوى العاملة 22.2%، مقارنة بـ66.2% للرجال، إلى جانب تسجيل معدلات بطالة أعلى لدى النساء.
وترى الورقة أن تعزيز مشاركة النساء في سوق العمل لا يرتبط فقط بتحقيق المساواة، بل يشكّل أيضاً عاملاً أساسياً في تعزيز القدرة الاقتصادية للبنان، وتحسين تنافسية المؤسسات ودعم النمو المستدام.
وتضمّنت الورقة مساهمات من شخصيات ومؤسسات معنية بالمساواة بين الجنسين، من بينها عضوة مجلس الإدارة السابقة في الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية مي مخزومي، ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، إلى جانب ممثلين عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة، والإسكوا، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والتجمع اللبناني لسيدات ورجال الأعمال.
خمسة محاور لإصلاح بيئة العمل
وتقترح الورقة خمسة محاور أساسية لمساعدة المؤسسات على الانتقال من التعهد بالمساواة إلى تطبيق سياسات قابلة للقياس.
ويتمثل المحور الأول في الحوكمة والقيادة، من خلال تعزيز مسؤولية مجالس الإدارة، وإجراء تقييمات تعتمد على بيانات مصنفة حسب الجنس، وربط مؤشرات المساواة بتقييم أداء الإدارة العليا.
أما المحور الثاني فيركّز على أنظمة عمل أكثر شمولاً للنساء، من خلال الحد من التحيز في التوظيف والترقية، واعتماد آليات واضحة لاختيار الكفاءات وتطوير القيادات النسائية.
ويتناول المحور الثالث المساواة المالية، عبر اعتماد أنظمة واضحة لتصنيف الوظائف، ونطاقات شفافة للرواتب، والحد من الفجوات في الأجور والمزايا.
ويركّز المحور الرابع على رفاه الموظفين ودعم المسؤوليات الأسرية، من خلال تعزيز سياسات الرعاية المشتركة، والمرونة في العمل، وتوفير بيئة آمنة وآليات موثوقة للإبلاغ عن الانتهاكات.
أما المحور الخامس فيتناول الصورة النمطية للوظائف، ويدعو إلى زيادة حضور النساء في القطاعات التقنية والهندسية والصناعية، من خلال التعاون مع المؤسسات التعليمية وتوفير بيئات عمل أكثر ملاءمة.
نماذج من القطاع الخاص
وتستعرض الورقة تجارب عدد من الشركات اللبنانية والإقليمية التي اعتمدت سياسات وممارسات تهدف إلى تعزيز المساواة في أماكن العمل.
ومن بينها Technica، التي اعتمدت أنظمة واضحة للرواتب وتصنيف الوظائف، وDeloitte Middle East التي تستخدم البيانات لمتابعة تمثيل النساء وتطوير مسارات المواهب وبرامج الرعاية المهنية.
كما تستعرض تجربة i engineering SAL في اعتماد سياسات داعمة للعائلة، بينها إجازة أمومة مدفوعة تمتد إلى 16 أسبوعاً، وإجازة أبوة وقنوات مجهولة للشكاوى.
وتتناول الورقة أيضاً تجربة Coral Oil Company Limited في تعزيز حضور النساء في المناصب التشغيلية والهندسية، فيما ركزت Matelec على تكييف بيئة العمل الصناعية وبناء شراكات مع المدارس والمعاهد التقنية لزيادة وصول النساء إلى الوظائف الهندسية.
إصلاحات تتجاوز المؤسسات
ولا تقتصر توصيات الورقة على سياسات الشركات، بل تدعو إلى إصلاحات على المستوى الوطني، من بينها توسيع إجازات الوالدية المدفوعة، وتعزيز إجازة الأبوة، وتطوير خدمات رعاية الأطفال، وإدخال إصلاحات تراعي المساواة بين الجنسين في نظام الضمان الاجتماعي والتقاعد.
كما تشدد على أهمية التطبيق الفعلي للقانون رقم 205 المتعلق بتجريم التحرش الجنسي، وتأمين آليات حماية واضحة داخل أماكن العمل، إلى جانب مراجعة القيود القانونية القديمة التي تحد من مشاركة النساء في بعض القطاعات الصناعية والتشغيلية.
وتنسجم الورقة مع المبادئ العشرة للميثاق العالمي للأمم المتحدة، ومبادئ تمكين المرأة (WEPs)، والاستراتيجية الوطنية للمرأة في لبنان 2022–2030.
وتخلص الورقة إلى أن تحقيق المساواة في سوق العمل اللبناني يتطلب الانتقال من الالتزامات العامة إلى سياسات واضحة، وبيانات قابلة للقياس، وآليات مساءلة قادرة على تحويل المساواة بين الجنسين إلى ممارسة فعلية داخل المؤسسات.