
العالم – على مدى أجيال، فُهمت محو الأمية بمفهوم بسيط نسبياً: القدرة على القراءة والكتابة. لكن في عصر الإشعارات المتواصلة، ومقاطع الفيديو التي لا تتجاوز مدتها خمس ثوانٍ، والذكاء الاصطناعي، وتدفّق المعلومات بوتيرة تفوق قدرتنا على استيعابها، هل لا يزال هذا التعريف كافياً؟
ومع إحياء العالم لليوم الدولي لمحو الأمية في 8 سبتمبر، بات السؤال يتعلق بدرجة أقل بقدرة الإنسان على فك رموز الكلمات على الصفحة، وبدرجة أكبر بما يستطيع أن يفعله بهذه الكلمات بعد قراءتها.
بالنسبة إلى الدكتور أحمد عويني، الأستاذ المشارك في قسم التربية في الجامعة اللبنانية الأميركية، فإن محو الأمية يتخذ مستويات عدة. فالقدرة على التعرّف إلى الكلمات وفك رموزها ليست سوى نقطة البداية.
وقال الدكتور عويني إن «الفهم القرائي هو تواصل»، موضحاً أن على القارئ أن يكون قادراً على فهم الرسالة التي يحاول الكاتب إيصالها. وهذا يتطلب أكثر من مجرد التعرّف إلى المفردات؛ إذ يشمل تفسير المعلومات، وطرح الأسئلة حولها، وربطها بالمعارف والخبرات السابقة.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى محو الأمية باعتباره طيفاً يمتد من فك الرموز الأساسية في أحد طرفيه، إلى التفسير العميق والتفاعل مع المحتوى في الطرف الآخر.
من قراءة الكلمات إلى فهمها
تكمن أهمية هذا التمييز في أن القراءة نفسها آخذة في التغيّر.
ويشير مقال نُشر عام 2025 في مجلة The Reading Teacher، وتناول الفهم القرائي في العالم الرقمي، إلى أن الإنترنت غيّر كلاً من طريقة قراءة الناس للمعلومات وطريقة اكتسابهم للمعرفة. كما يشير إلى أن مهارات القراءة الرقمية أصبحت ضرورية بشكل متزايد للتعامل مع مجتمع المعلومات عبر الإنترنت.
وفي دراسة أخرى نُشرت عام 2025، واستندت إلى بيانات أكثر من 13 ألف مشارك من 32 دولة، تبيّن أن القراءة الرقمية تصبح أكثر صعوبة بشكل ملحوظ لدى الأشخاص الذين يعانون ضعفاً في الفهم القرائي. وتشير النتائج إلى أن مهارات الفهم وحل المشكلات تؤدي دوراً مهماً في التعامل مع المعلومات المتاحة عبر الإنترنت ومعالجتها.
وتكمن دلالة ذلك في أن امتلاك القدرة التقنية على التنقل عبر شاشة لا يعني بالضرورة امتلاك المهارات الإدراكية اللازمة لفهم ما يظهر عليها.
ويرى الدكتور عويني أن المشكلة ترتبط جزئياً بتحوّل أساسي في الطريقة التي تصل بها المعلومات إلينا.
وقال: «كنا نحاول البحث عن المعلومات. الآن، كل المعلومات هي التي تبحث عنا.»
فبدلاً من البحث المتعمّد عن كتاب أو صحيفة أو مقال، يتلقى الناس المعلومات بصورة متزايدة عبر خلاصات المحتوى، والتوصيات، والإشعارات، ونتائج البحث.
وبالتالي، قد يتمثل التحدي اليوم في الانتقال من مجرد الوصول إلى المعلومات إلى القدرة على معالجتها.
مشكلة الانتباه في عصر المحتوى القصير
كما أدى هذا التحول إلى تغيير التوقعات المرتبطة بالانتباه.
فقد اعتادت وسائل التواصل الاجتماعي على بيئة يتنافس فيها المحتوى على انتباه المستخدم بصورة شبه فورية. ويمكن للمستخدم الانتقال من فيديو أو عنوان إلى آخر بمجرد تمرير الشاشة، في حين يتطلب الكتاب أو المقال الأكاديمي أو الطرح المعقد تركيزاً مستمراً.
ويرى الدكتور عويني أن الانتباه مهارة يجب تدريبها باستمرار. وإذا لم يعد الناس معتادين على التركيز لفترات طويلة، فإنه يعتقد أن قدرتهم على التفاعل مع المواد الأطول والأكثر تعقيداً قد تتأثر.
وقال: «الانتباه هو الانتباه. كل ما عليك فعله هو تمرينه. إنه أشبه بالعضلة.»
وتدعم أبحاث حديثة الحاجة إلى التعامل بجدية مع عادات القراءة الرقمية، وإن كانت لا تثبت أن المحتوى القصير وحده يؤدي إلى تراجع القدرة على الانتباه.
ووجدت دراسة أجريت عام 2025 حول القراءة الرقمية أن لها آثاراً إيجابية وسلبية على حد سواء في محو الأمية القرائية، إذ أظهر المشاركون الذين اعتمدوا بصورة أساسية على القراءة الرقمية نقاط ضعف نسبية في القراءة المتعمقة، والدافعية الذاتية للقراءة، والقدرة على القراءة.
وعليه، قد لا تكون القضية صراعاً بين الشاشات والورق، بل تتعلق بقدرة الإنسان على التمهّل والقراءة بوعي وتركيز، بصرف النظر عن الوسيلة المستخدمة.
عندما تتولى التكنولوجيا مهمة التفكير
يضيف الذكاء الاصطناعي بُعداً آخر إلى هذه المسألة.
فالتكنولوجيا يمكن أن تجعل الوصول إلى المعلومات أسهل، وإنجاز المهام أسرع. لكن عندما تتولى أداة ما مهمة التلخيص أو الكتابة أو إجراء الحسابات أو البحث نيابةً عنا، يبقى على المستخدم أن يفهم ما تنتجه هذه التكنولوجيا.
ولا يدعو الدكتور عويني إلى التخلي عن التكنولوجيا، بل إلى تحقيق توازن تكون فيه التكنولوجيا أداة مساعدة لا بديلاً عن المهارات الأساسية. فالذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، يمكن أن يكون مفيداً في توليد الأفكار أو إعداد المسودات، لكن على المستخدم أن يظل حاضراً بأفكاره وحكمه الخاص.
وينعكس هذا التمييز بشكل متزايد في الأبحاث. فقد حددت دراسة أجريت عام 2026 حول محو الأمية النقدية في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم العالي أربعة أبعاد للاستخدام المسؤول والنقدي للذكاء الاصطناعي، هي: المعرفة الوظيفية، والقدرة على اتخاذ القرار والاستقلالية، والاستخدام الأخلاقي والمسؤول، والاستخدام التأملي. وتشير النتائج إلى أن معرفة كيفية تشغيل أدوات الذكاء الاصطناعي ليست سوى مكوّن واحد من مفهوم أوسع لمحو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي.
إذاً، هل نصبح أقل قدرة على القراءة والكتابة؟
ربما لا يتمثل السؤال في ما إذا كان الناس أصبحوا «أميين» بالمعنى التقليدي.
وتقدّر اليونسكو أن ما لا يقل عن 739 مليون شاب وبالغ حول العالم لا يزالون يفتقرون إلى مهارات القراءة والكتابة الأساسية، في حين أن أربعة من كل عشرة أطفال لا يصلون إلى الحد الأدنى من الكفاءة في القراءة. وبالتالي، لا تزال محو الأمية بالمعنى التقليدي تمثل تحدياً عالمياً ملحاً.
لكن إلى جانب هذا التحدي، يبرز سؤال مختلف: ماذا يحدث عندما يكون الشخص قادراً على القراءة، لكنه غير قادر على تفسير ما يقرأه بصورة فعالة؟
ماذا يحدث عندما تكون المعلومات وفيرة، لكن القدرة على تقييمها محدودة؟ عندما يتمكن شخص من إنتاج مقال متماسك باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنه يجد صعوبة في بناء حجة بصورة مستقلة؟ أو عندما يستهلك مئات العناوين ومقاطع الفيديو، لكنه نادراً ما يتوقف للتحقق مما إذا كانت المعلومات دقيقة؟
هذه الحالات لا تمثل بالضرورة أمية بالمعنى التقليدي، بل تشير إلى مفهوم أكثر اتساعاً لمحو الأمية.
تعريف أوسع لمحو الأمية
يرى الدكتور عويني أن ثقافة القراءة يجب أن تظل في صميم المشهد، سواء كانت القراءة على الورق أو عبر الشاشة.
وقال: «يجب ألا نتخلى عن ثقافة القراءة أبداً.»
وبالتالي، لا يكمن التحدي في رفض التكنولوجيا، بل في الحفاظ على المهارات الإدراكية التي لا تستطيع التكنولوجيا أن تحل محلها: التركيز، والفهم، والتفسير، والحكم، والتفكير المستقل.
ولعل هذا هو السؤال الأكثر ارتباطاً بمفهوم محو الأمية في عام 2026.
فلا يزال امتلاك القدرة على القراءة والكتابة يعني أن يكون الإنسان متعلماً، لكن المفهوم يتجه بصورة متزايدة إلى ما هو أبعد من ذلك: أن يعرف الإنسان كيف يفهم ما يقرأ، وأن يتساءل عما يُقال له، وأن يقيّم ما يصادفه، وأن يفكر بما يتجاوز المعلومات الموضوعة أمامه مباشرة.
وفي اليوم الدولي لمحو الأمية، لم يعد السؤال ببساطة هو ما إذا كنا نستطيع القراءة.
بل ما إذا كنا، في عصر تتدفق فيه المعلومات إلينا باستمرار، لا نزال نعرف كيف نفكر فيها ونفهمها ونقيّمها.