
المنطقة العربية - وضعت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) وجامعة الدول العربية الرؤية العربية 2045، وهي إطار استراتيجي طويل الأمد يهدف إلى توجيه المنطقة نحو مزيد من الأمن والعدالة والازدهار والابتكار والتنمية المستدامة.
وتسعى الرؤية إلى تعزيز العمل العربي المشترك والتكامل الإقليمي، بالتوازي مع الاستجابة للتحولات العالمية الكبرى، بما في ذلك تغير المناخ، والتحولات الديموغرافية، والتوسع الحضري السريع، وعدم المساواة، وانتشار التقنيات الرقمية. كما تستشرف تأثيرات الثورتين الصناعيتين الرابعة والخامسة على الاقتصادات والمجتمعات والمؤسسات.
وتقوم الرؤية على ست ركائز مترابطة هي: الأمن والسلامة؛ العدالة والإنصاف؛ الابتكار والإبداع؛ الازدهار والتنمية المتوازنة؛ التنوع والديناميكية؛ والتجديد الثقافي والفكري. ووفقاً للوثيقة، تتكامل هذه الركائز مع بعضها البعض بهدف دعم مجتمعات أكثر تماسكاً وتنمية شاملة وازدهار مشترك.
الأمن والمياه والغذاء
في إطار ركيزة الأمن والسلامة، تدعو الرؤية إلى تعزيز الآليات الإقليمية لمنع النزاعات والاستجابة لها، بما في ذلك تطوير نظام للإنذار المبكر ضمن جامعة الدول العربية، وإطلاق مبادرة إقليمية للدبلوماسية الوقائية.
كما تقترح آليات لتمويل مشاريع الأمن المائي والغذائي الإقليمية، وتعزيز التعاون في إدارة المياه، وتوسيع استخدام تحلية المياه وإعادة استخدامها، وتقوية سلاسل إمدادات الغذاء بين الدول العربية.
وتشكل الأمن السيبراني أولوية أخرى، مع دعوة الرؤية إلى تعزيز القدرات الإقليمية لحماية أنظمة المعلومات والتعامل مع الهجمات السيبرانية.
وتقترح الوثيقة أيضاً اعتماد نهج متكامل لإدارة المياه والغذاء والطاقة، بدعم من تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وأجهزة الاستشعار الذكية. ويمكن استخدام هذه التقنيات لتحسين الري، ومراقبة ظروف التربة، والحد من هدر الغذاء، وتعزيز الإنتاجية الزراعية.
التعليم والذكاء الاصطناعي
يشكل الابتكار والإبداع إحدى الركائز الأساسية للرؤية، مع طرح التعليم 4.0 كأحد التوجهات الإقليمية الرئيسية.
ويهدف هذا النهج إلى تعزيز التعليم الذي يركز على المتعلم، والتعليم متعدد التخصصات، والتعلم مدى الحياة، مع دمج الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة في المناهج الدراسية.
كما تقترح الرؤية إنشاء منصة عربية موحدة للتعلم الإلكتروني تقدم دورات متخصصة ومعتمدة تتماشى مع احتياجات سوق العمل، إلى جانب توسيع استخدام الدورات التدريبية الإلكترونية المفتوحة واسعة النطاق (MOOCs)، والتعليم الهجين، وأدوات التعليم الافتراضي.
وتدعو الوثيقة إلى زيادة تمويل التكنولوجيا والبحث العلمي، ودعم الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا، وتعزيز الاستثمار في الكفاءات العربية. كما تقترح جعل علوم الحاسوب مادة إلزامية في مراحل التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي.
بناء منطقة عربية رقمية مترابطة
تضع الرؤية البنية التحتية الرقمية في صلب عملية التكامل الإقليمي.
وتقترح تعزيز التعاون في مجال البنية التحتية للاتصالات، بما في ذلك إنشاء شبكات إنترنت عالية السرعة ومنخفضة التكلفة تربط الشبكات الوطنية بنقاط تبادل الإنترنت الإقليمية، من خلال كابلات بحرية وبرية.
ويهدف ذلك إلى تقليل الاعتماد على مسارات الإنترنت الدولية المكلفة وتحسين الوصول إلى المحتوى الرقمي في مختلف الدول العربية.
وتستند هذه المقترحات إلى الأجندة الرقمية العربية 2023–2033، بما في ذلك تطوير نقاط تبادل الإنترنت الوطنية ومراكز البيانات، التي يمكن أن تشكل في نهاية المطاف جزءاً من شبكة سحابية إقليمية.
التكامل الاقتصادي وعملة رقمية موحدة
على الصعيد الاقتصادي، تدعو الرؤية إلى تعميق التكامل الاقتصادي العربي، بما في ذلك توحيد السياسات التجارية والتدرج نحو إنشاء سوق عربية مشتركة.
كما تقترح إنشاء نظام مالي رقمي إقليمي متكامل بالكامل، وإمكانية إطلاق عملة رقمية عربية موحدة تصدرها المصارف المركزية لاستخدامها في المدفوعات الإقليمية والدولية، مع الحفاظ على سيادة الدول واستقلالها.
وتؤكد الرؤية أيضاً أهمية تطوير بنية تحتية مترابطة تشمل شبكات المياه والكهرباء والخدمات اللوجستية والمعلومات والنقل، إلى جانب إعطاء الأولوية لمشاريع السكك الحديدية والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
الطاقة المتجددة والقدرة على مواجهة تغير المناخ
يمثل أمن الطاقة مكوناً رئيسياً آخر في الرؤية، التي تدعو إلى تنويع مصادر الطاقة والتوسع في استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية والهيدروجين.
كما تقترح تعزيز التعاون الإقليمي في مجال تقنيات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والبنية التحتية، إلى جانب استكمال مشروع الربط الكهربائي العربي.
وفي المجال البيئي، تدعو الرؤية إلى اتخاذ إجراءات للتكيف مع تغير المناخ، وزيادة الاستثمار في الطاقة النظيفة والزراعة الذكية مناخياً، وتعزيز التشريعات البيئية، وإنشاء مراكز عربية إقليمية لإعادة التدوير.
الشباب في صلب التنمية
تعتبر الرؤية الشباب عناصر أساسية في التغيير، وتؤكد أهمية الاستثمار في رأس المال البشري.
ومن بين مقترحاتها إنشاء نظام موحد للتأشيرات الطلابية العربية، وتوسيع برامج التبادل الطلابي والمهني، وإطلاق برامج بحثية مشتركة، ومبادرات لتعزيز التطوع الشبابي.
كما تدعو إلى دعم ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع التعاون الثقافي والفني الإقليمي وزيادة الاستثمار في الصناعات الإبداعية العربية.
أهداف عام 2045
تحدد الرؤية أهدافاً طويلة الأمد للأداء في مجالات تشمل الابتكار، والدخل، والطاقة المتجددة، والبطالة، والفقر، والتنافسية، والأمن السيبراني، والحوكمة، والوصول إلى العدالة، والمساواة بين الجنسين.
ومن بين طموحاتها الاقتصادية مضاعفة متوسط دخل الفرد في المنطقة العربية ثلاث مرات، إذ تعتبر الوثيقة أن هذا الهدف قابل للتحقيق في حال تنفيذ خطط التنمية الاستراتيجية بالتوازي مع الاستثمار في التكنولوجيا والمعرفة ورأس المال البشري.
لكن الرؤية تقر بوجود تحديات كبيرة أمام تنفيذها، من بينها القيود المالية، وتقادم البنية التحتية، ومحدودية استخدام التقنيات الحديثة، وعدم الاستقرار السياسي والأمني في بعض الدول العربية.
وتؤكد أن تحقيق أهدافها سيتطلب تنسيقاً بين الدول العربية، واستثمارات، وتحولاً رقمياً، وتجميع الموارد، وتعزيز القدرات التكنولوجية.
وفي نهاية المطاف، تقدم الرؤية العربية 2045 التعاون والتكامل الإقليميين باعتبارهما عنصرين أساسيين للتعامل مع التحديات التي تتجاوز حدود الدول. ومن المتوقع أن يتطلب تنفيذها جهداً جماعياً تشارك فيه الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص، بهدف بناء منطقة عربية أكثر أمناً وشمولاً وابتكاراً وازدهاراً بحلول عام 2045.