
لبنان - 23 أيلول هو اليوم العالمي للغة الإشارة. وقد اختارت الأمم المتحدة هذا العام، بالتعاون مع الاتحاد العالمي للصم، شعار "الإعلان عن حقوق الإنسان للصمّ"، تذكيراً بأن حق الوصول إلى لغة إشارة وطنية ليس تفضّلاً يُمنح للصمّ، بل هو حق أساسي.
واليوم نطرح سؤالاً أكثر تحديداً: إلى أي مدى تخدم المرافق العامة في لبنان الأشخاص الصمّ فعلياً؟
كم عدد الصمّ في لبنان؟
لا أحد يعرف بدقة. فلبنان لا يملك سجلاً وطنياً للإعاقة، لذا اضطر الباحثون إلى الاعتماد على أرقام جزئية. قدّر الاتحاد العالمي للصم عدد الصمّ في لبنان بنحو 12,000 شخص عام 2008، أي ما يمثل نحو 10% من بطاقات الإعاقة المسجّلة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية في تلك السنة. وفي عام 2016، أحصت الوزارة 97,735 حاملاً لبطاقة إعاقة، من بينهم 7,800 شخص (8.65%) يعانون من ضعف في السمع. لكن أياً من هذين الرقمين لا يشكّل إحصاءً حقيقياً: فالتسجيل طوعي، ويشير الباحثون إلى أن الوصمة الاجتماعية والإحراج من الأسباب التي تجعل العدد الفعلي أكبر مما هو مسجّل. كما أن الرقمين لا يقيسان الشيء نفسه أصلاً؛ فأحدهما تقدير تقريبي لمجتمع الصمّ، والآخر فئة فرعية من حاملي بطاقات الإعاقة المسجّلة. وهذا بحدّ ذاته مثال بسيط على مدى ضعف البيانات المتوفرة.
هل توجد لغة إشارة لبنانية واحدة؟
لغات الإشارة لغات كاملة، لها قواعدها ومنطقها الداخلي الخاص، وليست مجرد وسيلة تواصل. ولا توجد لغة إشارة عالمية واحدة، وهذا الاختلاف قائم داخل الدول كما هو قائم بينها، بما في ذلك داخل المنطقة العربية.
يستخدم الباحثون مصطلح "لغة الإشارة اللبنانية"، لكن هذا لا يعني أن جميع اللبنانيين الصمّ يستخدمون الإشارات نفسها. وتعيد دراسة أجرتها الجامعة اللبنانية الأميركية عام 2025 هذا التفاوت إلى تاريخ لبنان نفسه: فقد طوّرت مراكز الصمّ المحلية إشاراتها الخاصة بشكل مستقل ابتداءً من أواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات، ثم جاءت الحرب الأهلية (1975-1990) لتقطع التواصل بين المجتمعات، ما خلّف انقسامات في اللغة لم تُردَم بالكامل حتى اليوم. وقد أُعدّت خطة لتوحيد لغة الإشارة اللبنانية وعُرضت على الوزراء، لكنها تعثّرت بسبب غياب التمويل الحكومي، وهو أحد تبعات الأزمات المتراكمة التي يمرّ بها لبنان.
كيف تبدو إمكانية الوصول في لبنان؟
في القطاع الصحي، تعني إمكانية الوصول أن يتمكن الشخص من حجز موعد عبر الرسائل النصية، وأن يجد طريقه بنفسه داخل المستشفى، وأن يناقش تشخيصه الطبي عبر مترجم مؤهل للغة الإشارة، وأن يطرح أسئلته بخصوصية، وأن يغادر ومعه تعليمات مكتوبة يمكنه الرجوع إليها لاحقاً. أما بالنسبة إلى المعلومات العامة، فتعني وصول الرسائل الصحية والأمنية إلى الناس بصيغة يمكنهم فهمها، وفي الوقت المناسب، لا كأمر ثانوي.
وتظهر دراستان لبنانيتان حديثتان مدى بُعد الواقع الحالي عن هذا المعيار. فدراسة أجريت عام 2025 على مجموعة نقاش مؤلفة من عشرة أشخاص صمّ في الجامعة اللبنانية الأميركية، وجدت أن متوسط درجة الوعي الصحي بلغ 6 من أصل 15 فقط، وأن 7 من أصل 10 مشاركين قالوا إنهم نادراً ما يتصرفون بناءً على المعلومات الصحية التي تصلهم، أو لا يفعلون ذلك إطلاقاً. ووصف المشاركون أطباء يصفون الأدوية من دون شرح، واستشارات طبية سريعة جداً لا تتيح وقتاً كافياً لمترجم أو حتى لقراءة الشفاه بعناية، وبرامج طبية لبنانية تُبث على التلفزيون من دون ترجمة مكتوبة أو ترجمة بلغة الإشارة. وفي غياب مترجم مختص، يلجأ كثيرون إلى أحد أفراد العائلة، وهو أمر يحمل مشكلاته الخاصة: فالمترجمون غير المختصين غير ملزَمين بالسرية، وقد يخطئون في نقل التفاصيل من دون قصد، وقد ينتهي بهم الأمر إلى اتخاذ قرارات نيابة عن المريض بدلاً من مجرد ترجمة كلامه.
كذلك، توصلت دراسة أوسع أُجريت عام 2022 وشملت 133 شخصاً أصمّ في مختلف المناطق اللبنانية إلى أن 60% منهم لا يملكون أي إمكانية للوصول إلى مترجم للغة الإشارة، وأن التكلفة والموقع الجغرافي ونوعية الرعاية كانت الأسباب الرئيسية التي دفعت كثيرين إلى الاستغناء عن رعاية صحية كانوا بحاجة إليها خلال العام الماضي. وهذه الفجوات تتفاقم بعضها ببعض: فالدراسة نفسها وجدت أن 7% فقط من المشاركين الصمّ يحملون شهادة جامعية، مقارنة بنسبة لا تقل عن 38% لدى عموم السكان، كما أن انخفاض المستوى التعليمي ينعكس مباشرة على انخفاض الدخل وضعف الوعي الصحي، وفق ما وثّقته دراسات أخرى.
هناك خطوات ملموسة، وإن كانت محدودة. ففي أيار (مايو) 2024، أدخلت مؤسسة تلفزيون لبنان، وهي المحطة الرسمية، ترجمة بلغة الإشارة إلى نشرة أخبارها المسائية، بترجمة قام بها مترجمون صمّ بأنفسهم، وهو ما رحّب به الاتحاد اللبناني للصمّ علناً، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن ترجمة لغة الإشارة لا تزال نادرة بشكل عام على شاشات التلفزيون اللبناني.
كذلك، تعاون فريق دراسة عام 2025 الصحية مع "IRAP" (معهد بيروتي معني بالأطفال والشباب الصمّ) ومع أفراد من مجتمع الصمّ لإطلاق قناة على "يوتيوب" تقدّم معلومات صحية بلغة الإشارة اللبنانية مع ترجمة مكتوبة بالعربية. وقد أُنجز حتى الآن فيديوهان تجريبيان، فيما لا يزال البحث جارياً عن تمويل لتوسيع المشروع. كما قدّم الباحثون أنفسهم اقتراحاً رسمياً إلى مستشفيَين يتضمن اعتماد حجز المواعيد عبر الرسائل النصية، وتمديد مدة الاستشارات الطبية، ووضع خرائط إرشادية داخل المستشفى، وإنشاء قاعدة بيانات طبية طارئة خاصة بالمرضى الصمّ. ووفق ما ورد، رحّب المستشفيان بالاقتراح ووضعا خطة تنفيذ تدريجية، غير أن هذه الخطوات، حتى وقت نشر الدراسة، لا تزال في طور التخطيط ولم تتحول بعد إلى تغييرات فعلية.
هذه خطوات حقيقية، وإن كانت متواضعة، وتصبّ بمعظمها في جعل المعلومات والخدمات الرسمية أكثر قابلية للوصول. أما المقياس الأشمل للتقدّم، فهو أبسط في الصياغة وأصعب في التحقيق: هل يستطيع الشخص الأصمّ في لبنان أن يحصل على الرعاية الصحية، وأن يتابع المعلومات العامة، وأن يتابع تعليمه، وأن يتخذ قراراته الخاصة، من دون الحاجة إلى من يتحدث نيابة عنه؟
والوصول إلى ذلك يتطلب أكثر من مشاريع تجريبية؛ إذ يستلزم إشراك الأشخاص الصمّ أنفسهم في تصميم الخدمات الموجهة إليهم، ومؤسسات مستعدة للتحقق بصدق مما إذا كانت هذه الخدمات فعلاً شاملة للجميع.