
لبنان - يواجه لبنان مفارقة في نظامه الغذائي: فهو ينتج محليًا كميات تتجاوز استهلاكه من محاصيل عديدة، لكنه لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين احتياجاته الغذائية.
وبحسب التقييم الوارد في الدراسات الزراعية، تأتي نحو 80% من السعرات الحرارية المستهلكة في لبنان من الخارج. لا تعكس هذه المعادلة ضعف الإنتاج الزراعي وحده، بل تكشف خللًا في العلاقة بين ما يزرعه لبنان، وما يصنّعه، وما يحتاجه المستهلك.
الفجوة الأولى: إنتاج لا يواكب الاستهلاك
لا تكمن المشكلة في غياب الإنتاج، بل في تركيبته. فوفق بيانات المركز اللبناني للبحوث والدراسات الزراعية لعام 2025، تجاوز الإنتاج المحلي الاستهلاك في محاصيل مثل المشمش والأفوكادو والعنب والتفاح والحمضيات.
في المقابل، يعتمد لبنان بدرجة كبيرة على استيراد عدد من المحاصيل الأساسية. فبحسب تقرير مشترك لمنظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي صدر في تشرين الثاني 2024، شكّل القمح الطري المستورد نحو 88% من إجمالي استخدام القمح الطري في لبنان خلال السنة التسويقية 2024–2025. كذلك، تشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن لبنان يستورد أكثر من 71% من احتياجاته من الحمص، ما يعكس محدودية الإنتاج المحلي مقارنة بالطلب. وتبرز هذه الأرقام الفجوة بين الإنتاج الزراعي المحلي واحتياجات السوق، خصوصًا في بعض السلع الأساسية.
تعكس هذه الفجوة تفاوتًا بين المحاصيل التي تتوافر فرص لبيعها في الأسواق الخارجية وتلك التي يحتاجها الاستهلاك المحلي. لذلك، لا يكفي قياس قوة القطاع الزراعي بحجم إنتاجه، بل يجب النظر أيضًا إلى مدى مساهمته في تأمين الغذاء وتقليص العجز في السلع الأساسية.
الفجوة الثانية: من المزرعة إلى المصنع
حتى عندما ينجح لبنان في إنتاج محاصيله محليًا، لا يعني ذلك أنه قادر على تحويلها إلى منتجات غذائية مصنّعة تكفي السوق. وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن قطاع التصنيع الغذائي لا يزال محدود القدرة على استيعاب المنتجات الزراعية، خصوصًا الفائض سريع التلف أو غير المباع. كما يبقى لبنان مستوردًا صافيًا للأغذية المصنّعة.
ويعني ذلك أن إنتاج البطاطا أو الحليب أو الخضار محليًا لا يضمن توافر جميع المنتجات المشتقة منها. فضعف التصنيع والتخزين والتسويق يحدّ من القيمة الاقتصادية للإنتاج، وقد يؤدي إلى هدر جزء منه، في وقت يستمر فيه استيراد منتجات غذائية جاهزة.
الفجوة الثالثة: إنتاج محلي بمدخلات مستوردة
لا ينتهي الاعتماد على الخارج عند استيراد الغذاء النهائي. فالزراعة والصناعة الغذائيتان تحتاجان أيضًا إلى مدخلات وتجهيزات وطاقة وأسمدة قد تكون مستوردة، ما يجعل كلفة الإنتاج المحلي مرتبطة بالتغيرات في الأسواق العالمية.
وتسلّط خارطة طريق منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) لقطاع الصناعات الغذائية الزراعية في لبنان الضوء على أهمية تطوير القطاع وتعزيز قدرته التنافسية. فزيادة الإنتاج وحدها لا تكفي إذا بقيت حلقات التصنيع والتوزيع والإمداد ضعيفة.
نحو نظام غذائي أكثر توازنًا
لا يعني تعزيز الأمن الغذائي أن ينتج لبنان كل ما يستهلكه، بل أن يحدد المحاصيل التي يمكنه توسيع إنتاجها، ويطوّر الصناعات الغذائية المرتبطة بها، ويحسّن التخزين والتوزيع، ويقلّص الهدر. كما أن دعم المزارعين وربطهم بالمصانع والأسواق يمكن أن يساعد في تحويل الفائض الزراعي إلى قيمة مضافة وفرص عمل.
وتشير دراسة المركز اللبناني للدراسات حول تطوير قطاع الإنتاج والصناعات الغذائية إلى أهمية ربط مراحل النظام الغذائي ضمن رؤية أكثر استدامة. فالتحدي ليس أن يزرع لبنان أكثر فحسب، بل أن يجعل إنتاجه أقرب إلى حاجات سكانه، وأن يستفيد من موارده الزراعية قبل أن يضطر إلى استيراد الغذاء الذي كان قادرًا على إنتاجه أو تصنيعه محليًا.