
لبنان – تُعدّ الأمطار الغزيرة والفيضانات وتساقط الثلوج وإقفال الطرق من الظواهر المتكررة خلال فصل الشتاء في لبنان. إلا أن تداعياتها تتجاوز التعطيل المؤقت لحركة المرور، إذ يمكن للطرق المغمورة بالمياه أو المغلقة أن تعيق الوصول إلى المدارس والمرافق الصحية وأماكن العمل، وتؤثر في سلاسل الإمداد الزراعي والأنشطة التجارية، فضلاً عن إلحاق الأضرار بالمركبات والبنية التحتية العامة.
وقد تجلّى حجم هذه الهشاشة مجدداً في كانون الثاني 2026، حين تسببت عواصف شديدة بتضرر 727 أسرة، أي نحو 3,600 شخص، في 184 موقعاً في بيروت وجبل لبنان وشمال لبنان وعكار. كما أظهرت الاستجابة تحديات إضافية، شملت تضرر البنية التحتية، وتزايد الأعباء على البلديات، وفجوات التمويل، ومحدودية قدرة الأسر على مواجهة تداعيات هذه الظروف.
الاستثمار في طرق أكثر قدرة على الصمود
اتخذ لبنان مؤخراً خطوات لمعالجة بعض أوجه الهشاشة هذه. ولا يزال نحو ثلث شبكة الطرق الرئيسية في البلاد، التي يبلغ طولها 6,500 كيلومتر، في حالة متوسطة إلى سيئة. وبحلول منتصف عام 2025، أُعيد تأهيل أكثر من 530 كيلومتراً من الطرق، وصين نحو 1,000 كيلومتر في 25 قضاءً، ضمن مشروع الطرق والعمالة المدعوم من البنك الدولي.
وشملت الأعمال تحسين أنظمة تصريف المياه وتثبيت المنحدرات للحد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية. كذلك، تسلّمت وزارة الأشغال العامة والنقل 10 آليات لإزالة الثلوج، و15 جرافة ذات عجلات، وخمس آليات لنثر الملح، بهدف تعزيز قدراتها على الاستجابة خلال فصل الشتاء.
وتواصلت التحضيرات خلال عام 2026. ففي أيلول، أطلقت وزارة الأشغال العامة والنقل أعمال إعادة تأهيل الطرق وتعبيدها على محور الحازمية – ضهر البيدر – شتورا، بما يشمل مقاطع بين حمانا وضهر البيدر، وصولاً إلى منطقة قب إلياس.
وفي الوقت نفسه، بدأت الوزارة استعداداتها المبكرة لفصل الشتاء، مع التركيز على تنظيف الطرق والقنوات والمجاري المائية ومصارف مياه الأمطار وتأهيلها قبل بدء موسم الأمطار.
وفي وقت لاحق من الشهر نفسه، وجّهت وزارة الداخلية البلديات واتحادات البلديات إلى تأهيل شبكات تصريف مياه الأمطار، وإزالة العوائق من قنوات التصريف ومجاري الأنهار، والتنسيق مع السلطات الوطنية والدفاع المدني، بما يعزز جهود الاستعداد على المستوى المحلي.
من الخطط إلى الجاهزية
تتكامل هذه الجهود المتعلقة بالبنية التحتية مع خطة الاستعداد والاستجابة لفصل الشتاء في لبنان لعامي 2025–2026، التي توفر إطاراً لتنسيق التدخلات في المناطق والقطاعات الأكثر عرضة للمخاطر خلال الموسم الشتوي.
ويبقى التحدي في تحويل الاستعداد إلى نهج منهجي ومستدام، من خلال تحديد الطرق الأكثر عرضة للمخاطر، وصيانة شبكات تصريف المياه، وتجهيز المعدات مسبقاً، وتحديد المسؤوليات بوضوح، وتعزيز التنسيق بين البلديات والوزارات وأجهزة الطوارئ قبل وقوع الأحوال الجوية القاسية.
الاستفادة من التجارب الإقليمية
توفر التجارب الإقليمية دروساً يمكن الاستفادة منها. ففي الأردن، طوّرت البتراء ووادي موسى نظام إنذار مبكر للسيول المفاجئة، يجمع بين الرصد الجوي وإعداد خرائط المخاطر والتخطيط لعمليات الإخلاء.
وفي تونس، باتت جهود الاستعداد للفيضانات تجمع بصورة متزايدة بين البنية التحتية وأنظمة الإنذار المبكر والتنسيق المؤسسي. ومن المتوقع أن تسهم توسعة أُعلن عنها عام 2026، بقيمة 50 مليون دولار أميركي، في توسيع نطاق الحماية ليشمل أكثر من 660 ألف شخص إضافي.
بدأ لبنان الاستثمار في المجالات المناسبة، لكن الخطوة التالية تتمثل في ربط البنية التحتية والتخطيط والتنسيق ضمن دورة متكاملة ومنتظمة للوقاية والاستعداد، بحيث يصبح فصل الشتاء موسماً تُتخذ الاستعدادات اللازمة لمواجهته مسبقاً، بدلاً من أن يبقى حالة طوارئ تتكرر الحاجة إلى التعامل معها في كل عام.