إن أزمة مقاومة مضادات الميكروبات (AMR) في لبنان، وعجز المستشفيات والقطاع الصحي عن احتوائها، تتجاوز حدود الإخفاق السريري لتكشف أزمة نظامية أوسع.
إن أزمة مقاومة مضادات الميكروبات (AMR) في لبنان، وعجز المستشفيات والقطاع الصحي عن احتوائها، تتجاوز حدود الإخفاق السريري لتكشف أزمة نظامية أوسع.

بينما تظل الندوب المرئية للحرب محفورة في المشهد العمراني اللبناني، تحدث في عمق التربة والمياه تحولات غير مرئية وأكثر تعقيداً. إن أزمة مقاومة مضادات الميكروبات (AMR) في لبنان، وعجز المستشفيات والقطاع الصحي عن احتوائها، تتجاوز حدود الإخفاق السريري لتكشف أزمة نظامية أوسع.

وتعود جذور هذه الأزمة إلى انهيار منظومات الحماية في قطاعات حيوية أخرى، لا سيما الزراعة والبيئة والصناعة، ما يفرض الحاجة الملحّة إلى تبنّي نهج “الصحة الواحدة” (One Health) الذي يدمج صحة الإنسان والحيوان والبيئة في إطار واحد متكامل.

ومع الحروب الأخيرة في لبنان وما خلفته من أضرار جسيمة في البنى التحتية للمياه والصرف الصحي والنظافة (WASH)، إلى جانب تراجع الرقابة على الزراعة والإنتاج الغذائي، تتهيأ الظروف لانتشار غير منضبط لما يُعرف بـ“البكتيريا المقاومة أو الخارقة”.

وعليه، فإن مسار التعافي لا بد أن يتجاوز إعادة الإعمار التقليدية ليشمل استعادة التوازن البيئي وتعزيز معايير السلامة الحيوية كركائز أساسية للأمن الصحي الوطني.

VUCA: حين تتحول الأزمة إلى بيئة دائمة

يُستخدم مصطلح VUCA لوصف بيئات تتسم بالتقلب (Volatility)، وعدم اليقين (Uncertainty)، والتعقيد (Complexity)، والغموض (Ambiguity). في مثل هذه السياقات، تنتقل الأولويات من الاستقرار طويل الأمد إلى متطلبات البقاء الفوري، فيما تتراجع أو تنهار آليات الرقابة في قطاعات الصحة والزراعة وسلامة الغذاء والبيئة.

ولا تقتصر التداعيات على مقاومة المضادات الحيوية، بل تمتد لتشمل ارتفاع مخاطر الأمراض الحيوانية المنشأ مثل داء الكلب وداء البريميات وداء البروسيلا، إضافة إلى الأمراض المنقولة عبر الغذاء والمياه والجهاز التنفسي، خصوصاً في ظل النزوح والاكتظاظ السكاني.

وتُظهر تجارب دول مثل أوكرانيا وسوريا والسودان أن انهيار البنى التحتية في سياق النزاعات يؤدي إلى تضاعف الأعباء الصحية والبيئية والنفسية، وهي آثار وثيقة الصلة بالواقع اللبناني.

وتعرّف مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) نهج “الصحة الواحدة” بأنه تقاطع صحة الإنسان والحيوان والبيئة المشتركة، ويشمل قضايا مثل الكائنات المقاومة للمضادات، والأمراض المنقولة عبر الحشرات، والأمراض الغذائية، وتلوث المياه، والعلاقة بين الإنسان والحيوان. وفي لبنان، تحوّل هذا التقاطع إلى نقطة ضغط تتطلب تدخلاً وطنياً شاملاً.

الأزمة الخفية في لبنان: جذور غير مرئية لمقاومة المضادات

عند النظر إلى الواقع اللبناني، تبدو آثار الحرب والدمار واضحة. إلا أن التعمق يكشف عن عمليات يومية صامتة تسهم في نشوء مقاومة مضادات الميكروبات.

فالانهيار الاقتصادي يفرض ضغطاً مستمراً على القطاعات الإنتاجية، حيث يؤدي أي فشل في المحاصيل أو تفشّي الأمراض النباتية أو الحشرية إلى تهديد مباشر لاستمرارية المؤسسات الزراعية والاقتصادية.

وفي ظل غياب الرقابة، تلجأ قطاعات، لا سيما الزراعة، إلى الاستخدام المفرط للمبيدات والمضادات الحيوية كوسيلة لحماية الإنتاج وضمان الاستمرارية.

تحول ميكروبيولوجي صامت

كما أن تضرر البنية التحتية يدفع نحو الاعتماد على مياه غير معالجة، قد تكون ملوثة ببقايا المبيدات والمضادات الحيوية. ويؤدي ذلك إلى تعرض مستمر للكائنات الدقيقة لتركيزات منخفضة وغير قاتلة من المضادات، ما يسرّع تطور المقاومة عبر الضغط الانتقائي.

ومع مرور الوقت، يحدث تحول ميكروبيولوجي غير مرئي في التربة والمياه، حيث لا يبقى سوى الكائنات الأكثر مقاومة، التي تتكاثر لتشكّل ما يُعرف بـ“البكتيريا الخارقة”.

ويزداد الوضع تعقيداً داخل المستشفيات في بيئات النزاع، حيث يؤدي تلوث المياه ونقص مواد التعقيم وارتفاع معدل دوران المرضى إلى تسهيل انتشار هذه الكائنات. ومع ذلك، تبقى المستشفيات—وفق نهج الصحة الواحدة—خط الدفاع الأخير ضد مقاومة المضادات.

إعادة بناء منظومة الصحة الواحدة

في أوقات الأزمات الاقتصادية والنزاعات، ينهار الإشراف على سلاسل الغذاء، وتُختزل وظائف الدولة إلى الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والطرق. ويؤدي الاستخدام غير المنظم للمضادات الحيوية في تربية المواشي، إلى جانب تلوث المنتجات الزراعية، إلى جعل الرابط بين الإنسان والحيوان والبيئة رابطاً مباشراً وملموساً.

فما يحدث في الحقول والمزارع يصل في النهاية إلى أقسام العناية الفائقة. كما أن فقدان المياه النظيفة للري يعني عملياً “ريّ المحاصيل بالمقاومة”.

نحو نظام مراقبة متكامل

لا يمكن مكافحة ما لا يمكن رؤيته. لذلك، يتمثل أحد أهم محاور مواجهة مقاومة المضادات في تحديد نقطة نشوء المشكلة. ويتطلب نهج “الصحة الواحدة” كسر العزلة بين البيانات الطبية والبيطرية والبيئية والزراعية، تحت إشراف وزارة الصحة العامة.

نحتاج إلى نظام مراقبة متكامل يتتبع المقاومة من شبكات الصرف الصحي وصولاً إلى غرف العمليات، بهدف التنبؤ بالتفشيات قبل وصولها إلى المستشفيات.

ويُفضّل أن يكون هذا النظام شبه آلي، يعتمد على الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، بما يتيح تحويل البيانات إلى إنذار مبكر بدل الاكتفاء برصد متأخر.

استراتيجية متعددة المستويات

تتطلب مواجهة مقاومة المضادات في لبنان تدخلاً على عدة مستويات:

  • المستوى البيئي: إصلاح البنية التحتية، تحسين شبكات المياه والصرف الصحي، وتنظيم استخدام المبيدات والمضادات الحيوية في الزراعة وتربية الحيوانات.

  • المستوى المجتمعي: تعزيز المراقبة الوبائية، تنظيم الأمراض المنقولة بالغذاء، ضبط صحة الحيوانات الأليفة، وإدارة استخدام المضادات الحيوية.

  • المستوى الاستشفائي: تعزيز مكافحة العدوى، تحسين النظافة والتعقيم، عزل المرضى، وتطوير أنظمة المياه داخل المستشفيات.

كما يبقى الفرز في أقسام الطوارئ عنصراً محورياً لتحديد الحاجة إلى العزل قبل حدوث التعرض.

إن مقاومة مضادات الميكروبات في لبنان ليست مشكلة طبية بحتة، بل نتيجة تداخل عوامل سياسية واقتصادية وتنظيمية وبيئية. وهي تتغذى على الكوارث، وضعف الحوكمة، وتراجع القوانين، وانهيار الرقابة.

ورغم إمكانية الحد منها، فإن ذلك يتطلب إصلاحات سياساتية شاملة وتطبيقاً صارماً للأنظمة، وليس فقط حلولاً داخل القطاع الصحي. إنها أزمة بنيوية لا يمكن احتواؤها عبر الطب وحده أو الوصفات الفردية.