
لبنان – في تموز 2006، شهد لبنان كارثة بيئية على طول ساحله، بعدما أدّى قصف إسرائيلي لمحطة الجيّة الكهربائية إلى تسرّب ما يُقدّر بـ15 ألف طن من الفيول الثقيل إلى البحر. وشكلت هذه الكارثة سابقة تاريخية لحجم الأضرار البيئية التي قد تخلّفها الحروب في لبنان.
اليوم، ومع استهداف الغارات الجوية الإسرائيلية للمدن والقرى والبيئة اللبنانية، من الطبيعي أن ينصبّ التركيز الإعلامي على الخسائر البشرية التي تجاوزت 2000 قتيل. إلا أنّ دروس كارثة الجيّة لا تزال حاضرة بعد نحو عقدين، خصوصًا مع عودة لبنان لمواجهة المخاطر البيئية والصحية المرتبطة بالنزاعات المسلحة.
ويسعى "الأطلس العالمي للعدالة البيئية" إلى توثيق قضايا العدالة البيئية حول العالم، ومن بينها تسرّب نفط الجيّة، إضافة إلى تقارير عن استخدام الفوسفور الأبيض من قبل إسرائيل على الأراضي اللبنانية أكثر من 195 مرة في نحو 30 بلدة.
ولتقدير حجم المخاطر، لا بد من النظر إلى الاعتداءات البيئية على لبنان ليس فقط كأضرار بيئية، بل كأزمة صحية وبيئية خطيرة وطويلة الأمد تطال المجتمعات في مختلف أنحاء البلاد.
فالأنظمة البيئية لا تلتزم بالحدود البلدية أو المناطقية أو الطائفية، ما يجعل الأضرار التي تصيب الأرض والساحل اللبناني قضية وطنية شاملة، لا أزمة محلية. كما أنّ التدهور البيئي في أوقات النزاع يشكّل تهديدًا مباشرًا للصحة العامة، والتعافي الاقتصادي، والأمن الغذائي، والاستقرار الوطني.
وبالاستناد إلى الكارثة التي حصلت في الجيّة، ترتبط المخاوف البيئية الحالية في جنوب لبنان بشكل متزايد باستخدام الفوسفور الأبيض وتأثيراته على الأراضي الزراعية والمناطق المدنية. ففي بلدات مثل عيتا الشعب، تتداخل آثار الدمار العسكري والنزوح والتلوّث البيئي في المكان نفسه، ما يفاقم الأضرار البيئية والمخاطر الصحية. وهذه الظاهرة ليست معزولة، إذ تشير صور الأقمار الصناعية إلى دمار بيئي ومادي واسع في عشرات القرى الجنوبية، مع تقارير توثّق الأضرار في ما لا يقل عن 50 بلدة.
ويُعد جنوب لبنان منطقة زراعية أساسية، ويلعب دورًا محوريًا في الإنتاج الغذائي الوطني. وتشير أبحاث الجامعة الأميركية في بيروت إلى أنّ التعرّض للفوسفور الأبيض قد يضرّ بالنباتات، مسببًا جفافها وتراجع نموها.
ولا تقتصر التداعيات على المحاصيل فحسب، بل تمتد إلى الصحة العامة. فالفوسفور الأبيض قد يلوّث التربة والأنهار والمياه الجوفية، وهي موارد تعتمد عليها المجتمعات للشرب والري والاستخدام اليومي.
وهذا يثير مخاوف بشأن سلامة أي مياه يتم استهلاكها من هذه المصادر. وتشير تقديرات باحثين في الجامعة الأميركية في بيروت إلى أنّ ما يصل إلى 10% من بقايا الفوسفور الأبيض قد يبقى في التربة أو المياه، ما يزيد من خطر التلوّث طويل الأمد.
وتحمل هذه الملوّثات آثارًا صحية بعيدة المدى، ليس فقط على سكان المناطق المتضرّرة، بل على المجتمعات في مختلف أنحاء لبنان التي تعتمد على الإنتاج الزراعي من الجنوب. فالأضرار التي تصيب الأراضي الزراعية الجنوبية ليست مسألة محلية، بل قضية وطنية تمسّ الأمن الغذائي وسلامته.
لذلك، يجب التعامل مع استخدام الفوسفور الأبيض بجدية، إذ إنّ المعالجة البيئية ضرورية للتعافي البيئي والاستقرار الاقتصادي. وقد شكّل القطاع الزراعي تاريخيًا ركيزة أساسية في الأمن الغذائي، مساهماً بنحو 9% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب.
لكن جهود المعالجة ستكون مكلفة وتستغرق وقتًا طويلًا، إذ قد تتطلب ملايين الدولارات وفترات زمنية ممتدة قبل استعادة معايير السلامة البيئية.
وتُظهر كارثة الجيّة واستخدام الفوسفور الأبيض اليوم كيف يمكن للهجمات على البنى التحتية والبيئة أن تخلّف آثارًا طويلة الأمد تتجاوز زمن الحرب، لتطال الأحياء السكنية والأراضي الزراعية وأنظمة المياه والطاقة، ما يزيد من المخاطر الصحية.
كما أنّ جهود المعالجة نفسها مهدّدة في ظلّ عدم الاستقرار، حيث يسرّع النزاع المستمر من هجرة الكفاءات، بما في ذلك المهندسون والخبراء البيئيون الضروريون لتقييم التلوّث واستعادة الأراضي الزراعية. إنّ الحفاظ على هذه الكفاءات داخل لبنان أمر أساسي لحماية الأمن الغذائي والصحة العامة والتعافي البيئي.
بالتالي، لا ينبغي النظر إلى الاعتداءات البيئية في لبنان كدمار بيئي فحسب، بل كأزمة صحية واقتصادية عميقة. فعندما تُستهدف الأرض والبحر والهواء، تتشارك كلّ المجتمعات تبعات ذلك. وحماية البيئة ليست فقط للحفاظ على الموارد الطبيعية، بل لضمان الصحة وسبل العيش ومستقبل البلاد.
وفي أوقات الأزمات، يمكن أن تشكّل حماية البيئة عاملًا جامعًا، يعكس صمودًا وطنيًا يتجاوز الانقسامات ويجمع مختلف فئات المجتمع اللبناني.
تيا قزي، مخططة حضرية.






