
لبنان - أمضى لبنان سنوات في مواجهة واحدة من أصعب الفترات الاقتصادية في تاريخه الحديث. لكن الأزمات غالبًا ما تسرّع القدرة على التكيف. ففي حين تستطيع الاقتصادات المستقرة التحرك بحذر، تعلّمت الشركات والمهنيون اللبنانيون مراقبة التحولات العالمية، والاستجابة بسرعة، والبحث عن الفرص وسط حالة عدم اليقين.
ويُعدّ الذكاء الاصطناعي تحديدًا نوع التحول الذي يمتلك لبنان مقومات احتضانه والاستفادة منه.
بداية قوية مبنية على رأس المال البشري
يدخل لبنان عصر الذكاء الاصطناعي بميزة مهمة: رأس المال البشري. فالسكان يتمتعون بتعدد اللغات، ومستوى تعليمي مرتفع، وارتباط قوي بالشبكات العالمية. فمن بيروت إلى الاغتراب، بنى المهنيون اللبنانيون سمعة قوية في مجالات التكنولوجيا، والتمويل، وريادة الأعمال، والصناعات الإبداعية.
وعلى عكس التحولات الصناعية السابقة، لا يتطلب الذكاء الاصطناعي بنية تحتية ضخمة أو استثمارات هائلة للبدء. فهو يعتمد بشكل أساسي على المهارات، والإبداع، والقدرة على التكيف — وهي عناصر طوّرها اللبنانيون بفعل الظروف الصعبة التي مروا بها.
وفي الواقع، دفعت التحديات الاقتصادية التي واجهها لبنان العديد من الشركات إلى استكشاف الأدوات الرقمية في وقت أبكر مما كان متوقعًا. بالنسبة إلى البعض، لم يكن اعتماد التقنيات الجديدة مجرد خطوة نحو الابتكار، بل وسيلة للحفاظ على القدرة التنافسية وتحسين الكفاءة.
تحويل القطاعات الصناعية عبر تعزيز الكفاءة
بالنسبة إلى الصناعات اللبنانية، يوفر الذكاء الاصطناعي مسارًا عمليًا لتعزيز القدرة التنافسية. إذ يمكن للمصانع، ومنتجي الأغذية الزراعية، وشركات الخدمات اللوجستية استخدامه لأتمتة المهام المتكررة، وتحسين سلاسل الإمداد، وتعزيز دقة التوقعات، وإدارة استهلاك الطاقة، وتقليل الهدر.
وفي اقتصاد تواجه فيه الشركات ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع التكاليف وتحديات البنية التحتية، لم تعد الكفاءة خيارًا إضافيًا، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا للنمو.
ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يمكّن شركة لبنانية متوسطة الحجم من العمل بدقة ورؤية استراتيجية تضاهي شركات أكبر حجمًا. كما يمكن أن يساعد المنتجين على تحسين معايير الجودة، وإدارة المخزون بفعالية أكبر، والوصول إلى الأسواق الإقليمية دون الحاجة إلى زيادة مماثلة في الموارد.
فرصة تصديرية جديدة: خدمات الذكاء الاصطناعي
ربما تكمن أكبر فرص لبنان في مجال الذكاء الاصطناعي خارج حدوده. فالقوى العاملة الشابة في البلاد، التي تتمتع بمهارات قوية في العربية والإنجليزية والفرنسية وخبرة في العمل ضمن الأسواق الدولية، مؤهلة لتطوير قطاع خدمات للذكاء الاصطناعي يخدم عملاء في الخليج وأوروبا وأفريقيا وغيرها.
لطالما صدّر لبنان الخبرات، من الهندسة والتمويل إلى التصميم والاستشارات. واليوم، يفتح الذكاء الاصطناعي مجالًا جديدًا لهذا الإرث، من خلال تمكين المهنيين من تقديم خدمات مثل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي، وتطبيق الحلول الرقمية، والأتمتة، وتدريب القوى العاملة.
وعلى عكس الصادرات التقليدية، لا تحتاج هذه الخدمات إلى بنية تحتية للشحن أو إلى مصانع ضخمة. فهي تعتمد على المعرفة، والاتصال، والموهبة — وهي موارد يمتلكها لبنان بالفعل.
اغتنام الفرصة
لا يزال السباق العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي في مراحله الأولى، ولا تزال العديد من الدول تحدد موقعها في هذا المجال. ويمنح مزيج لبنان من المهارات الرقمية، والقدرة على التكيف، والطاقة الريادية فرصة لتحويل الذكاء الاصطناعي من مجرد توجه تكنولوجي إلى محرك للنمو الاقتصادي.
لن يحل الذكاء الاصطناعي وحده تحديات لبنان. لكن من خلال الاستثمار في المهارات، ودعم الابتكار، وتشجيع الشركات على اعتماد الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول، يمكن للبنان بناء قطاعات جديدة، وتعزيز القطاعات القائمة، وخلق فرص جديدة لقواه العاملة.
لقد أثبت لبنان قدرته على التكيف في أصعب الظروف. واليوم، يتيح الذكاء الاصطناعي فرصة لتحويل هذه القدرة على الصمود إلى ابتكار، والانتقال من مجرد مواكبة التغيير إلى المشاركة في رسم ملامحه.

