
العالم – يشير تقرير جديد صادر عن مؤسسة AKAS إلى أن وسائل الإعلام العالمية تقلل بشكل كبير من حجم تغطية العنف ضد النساء والفتيات، إذ تراجعت التغطيات المرتبطة بكراهية النساء، والتي تُعرَّف بأنها العداء والتحيز ضد النساء، إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، رغم استمرار وانتشار العنف القائم على النوع الاجتماعي على نطاق واسع.
وقام تقرير Global Misogyny News Coverage Tracker بمراجعة أكثر من مليار مقال إخباري منشور عبر الإنترنت بين عامي 2017 و2025.
ووجد أن 1.3% فقط من الأخبار العالمية على الإنترنت في عام 2025 تناولت العنف أو الإساءة ضد النساء، مقارنة بـ2.2% في عام 2018 خلال حركة #MeToo، ما يشير بحسب الباحثين إلى تراجع مستمر في اهتمام الإعلام بهذا النوع من القضايا كمسألة اجتماعية واسعة.
أظهر التقرير أيضاً أنه حتى في القضايا الكبرى التي تحظى بتغطية واسعة، نادراً ما يكون العنف ضد النساء هو محور التغطية الرئيسي. وغالباً ما تركز التغطية على التفاصيل المثيرة أو القصص الفردية، بدلاً من شرح الأنماط الأوسع والأسباب البنيوية الكامنة وراء هذا العنف.
فعلى سبيل المثال، حلّلت صحيفة ذا غارديان التغطية الإعلامية لقضية جيفري إبستين بين عامي 2017 وفبراير 2026. ومن أصل ما يقارب مليون مقال مرتبط بالقضية، ظهر مصطلح “العنف ضد النساء” في 0.1% فقط من التغطية.
في المقابل، ذكرت 25% من المقالات كلمة “الضحايا”، بينما أشارت 26% إلى مواضيع مثل “السلطة” و“المال” و“النخب” أو “الفساد”.
كما أظهر التحليل أن التغطية الإعلامية غالباً ما تفشل في تناول الطبيعة البنيوية الأعمق للعنف ضد النساء، بما في ذلك التحيزات طويلة الأمد واختلالات القوة التي تسمح باستمرار هذا النوع من الانتهاكات.
ووفقاً للباحثة الرئيسية لوبا كاسوفا، تشير النتائج إلى أن منظور عدم المساواة بين الجنسين يغيب إلى حد كبير عن تغطية قصة إبستين، ما يعني أن التغطية لا تعالج بشكل كامل الأسباب الجذرية للمشكلة.
فجوات إعلامية في لبنان والشرق الأوسط
في العالم العربي تحديداً، تشير الأدلة إلى أن حجم المشكلة قد يكون أكبر في بعض السياقات. وتفيد تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) بأن النساء والفتيات في المناطق الأكثر تضرراً في المنطقة، بما يقارب ثلثيهن، يتعرضن للعنف خلال حياتهن، رغم استمرار وجود فجوات كبيرة في البيانات، خاصة في سياقات النزاع والنزوح.
وفي لبنان، حذرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة من أن الأزمات المتتالية أدت إلى تفاقم المخاطر التي تواجه النساء والفتيات. وفي عام 2026، أشارت الهيئة إلى أن نحو 620 ألف امرأة وفتاة تم تهجيرهن خلال التصعيدات الأخيرة، مع بقاء أكثر من 85% منهن خارج مراكز الإيواء الرسمية، ما يزيد من تعرضهن للاستغلال والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
ورغم حجم هذه الأرقام، غالباً ما واجهت التغطية الإعلامية في لبنان صعوبة في عكس خطورة القضية أو أبعادها البنيوية. فقد أظهرت دراسة صادرة عن معهد دراسات المرأة في الجامعة اللبنانية الأمريكية (LAU) بعنوان “Media Hostility: Case Studies on Backlash in the Lebanese Media” أن تغطية قضايا العنف ضد النساء بين عامي 2019 و2022 كثيراً ما قللت من خطورة العنف أو قدّمته بطريقة تطبيعية في البرامج التلفزيونية والأخبار.
وخلصت الدراسة، التي تناولت أربع قضايا رئيسية، إلى أن الحوادث كانت تُعرض غالباً كخلافات عائلية خاصة أو جرائم فردية معزولة، بدلاً من كونها جزءاً من نمط أوسع من العنف ضد النساء في المجتمع.
كما أشارت إلى أن بعض البرامج الحوارية اعتمدت أسلوباً درامياً ومبالغاً فيه في السرد، ما ساهم في تحويل الانتباه عن خطورة القضية وتجارب الناجيات.
وتُظهر هذه النتائج مجتمعة وجود فجوة واضحة بين حجم العنف ضد النساء في لبنان والمنطقة، وبين الطريقة التي يتم بها تمثيله في وسائل الإعلام.
ما الذي يمكن فعله
يتطلب سد الفجوة في تغطية العنف ضد النساء تغييرات في طريقة تناول الأخبار وصياغتها.
من الخطوات الأساسية الانتقال من عرض الحوادث كقضايا فردية معزولة إلى تقديمها ضمن سياق أوسع. فإضافة معلومات أساسية، مثل ما إذا كانت هناك حالات مشابهة سابقاً أو كيفية تعامل القوانين والأنظمة مع هذه القضايا، يساعد القارئ على فهم أنها ليست حوادث منفصلة.
كما أن توسيع نطاق المصادر المستخدمة في التغطية يُعدّ مهماً. ويشمل ذلك عدم الاعتماد فقط على التصريحات الرسمية، بل إدراج آراء الباحثين والخبراء القانونيين والمنظمات العاملة في مجال العنف القائم على النوع الاجتماعي، عندما يكون ذلك متاحاً.
تلعب اللغة المستخدمة في التغطية دوراً أساسياً أيضاً. فاختيار صياغة واضحة ومحايدة، بدلاً من الأسلوب المبالغ فيه أو العاطفي، يساعد على إبقاء التركيز على خطورة القضية ويمنع تحويل الانتباه عن جوهر الضرر.
وأخيراً، تُعد الاستمرارية في التغطية عاملاً مهماً. فحصر تناول العنف ضد النساء في التغطيات الإخبارية الكبيرة أو اللحظات العاجلة فقط يحدّ من فهم الجمهور لحجم المشكلة واستمراريتها. أما التغطية المنتظمة، حتى في الأخبار الصغيرة، فتساهم في تقديم صورة أوضح وأكثر واقعية مع مرور الوقت.




