تعرض العاملون الصحيون في لبنان لهجمات متواصلة خلال الحرب.
تعرض العاملون الصحيون في لبنان لهجمات متواصلة خلال الحرب.

لبنان- وفقًا لوزارة الصحة العامة اللبنانية، سُجّل حتى 2 آذار/مارس 2026 وقوع 150 اعتداءً على قطاع الرعاية الصحية، ما أدى إلى إصابة 234 عاملًا صحيًا ومقتل 103 آخرين. هذه الأرقام تطرح سؤالًا أساسيًا: ماذا يحدث للنظام الصحي عندما يصبح الأشخاص الذين يحملونه ويُبقونه قائمًا هم أنفسهم تحت الخطر؟

غالبًا ما يُقال إن العاملين في القطاع الصحي هم “في الخطوط الأمامية”، لكن هذا التعبير لا يُظهر دائمًا حجم الدور الذي يقومون به. فالأطباء، والممرضون، والمسعفون، والقابلات، والفنيون، والصيادلة، وسائقو سيارات الإسعاف، وفرق الطوارئ، ليسوا فقط أشخاصًا يقدمون الرعاية. هم جزء أساسي من البنية التي تجعل المستشفيات والمراكز الصحية وأقسام الطوارئ والنظام الصحي قادرين على العمل.

فالسرير في المستشفى لا يكفي وحده إذا لم يكن هناك كادر مدرّب يهتم بالمريض. وسيارة الإسعاف لا تستطيع إنقاذ الأرواح إذا لم يكن هناك مسعفون قادرون على الوصول إلى المصابين. والمركز الصحي الأولي لا يمكنه حماية المجتمع من دون أطباء وممرضين وموظفين يقدمون اللقاحات، ورعاية الأمهات، ومتابعة الأمراض المزمنة، والأدوية، والكشف المبكر عن المشكلات الصحية.

لذلك، فإن الاعتداءات على القطاع الصحي لا تنتهي آثارها عند لحظة العنف نفسها. فقد حذّرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مرارًا من أن العنف ضد العاملين الصحيين والمرافق الصحية وسيارات الإسعاف يحرم المجتمعات من الرعاية المنقذة للحياة، ويعطل الخدمات في الوقت الذي تكون فيه الحاجة إليها أكبر. كما وصفت منظمة الصحة العالمية الاعتداءات على المستشفيات والعاملين الصحيين في لبنان بأنها تهديد مباشر لاستمرار تقديم الرعاية الصحية، خاصة في وقت تعمل فيه المرافق الصحية أصلًا تحت ضغط كبير.

وهناك أزمة أخرى أقل ظهورًا، لكنها عميقة: الإرهاق. فالعاملون الصحيون في أوقات النزاع يحملون عبئًا مزدوجًا. يُطلب منهم علاج الجرحى بينما يواجهون هم أنفسهم الخطر. يشاهدون الموت، يعالجون أعدادًا كبيرة من المصابين، يساندون العائلات المفجوعة، ويواصلون العمل رغم القلق على سلامتهم وسلامة عائلاتهم. وقد أكدت منظمة الصحة العالمية بشكل متزايد أن حماية الصحة النفسية ورفاه العاملين في القطاع الصحي ضرورية للحفاظ على نظام صحي قادر على العمل، خصوصًا عندما يهدد الإرهاق والصدمات وظروف العمل غير الآمنة العاملين والمرضى في الوقت نفسه.

من هنا تصبح النظرة التنموية مهمة. فحماية العاملين الصحيين ليست واجبًا إنسانيًا فقط، بل هي أيضًا شرط أساسي لصمود البلد. لا يمكن لأي دولة أن تحافظ على الصحة العامة، أو تحمي الفئات الأكثر هشاشة، أو تستجيب للطوارئ، أو تتعافى بعد الأزمات، إذا كان الأشخاص الذين يقدمون الرعاية غير محميين. العاملون الصحيون هم جزء من البنية الأساسية، تمامًا مثل الكهرباء والمياه والطرق والاتصالات. وعندما يتعرضون للأذى، تصل النتائج إلى كل بيت.

لذلك، لا يمكن أن يقتصر إعادة بناء القطاع الصحي على ترميم المباني واستبدال المعدات. يجب أن يشمل أيضًا حماية العاملين الصحيين، ودعم صحتهم النفسية، وضمان وصولهم الآمن إلى أماكن عملهم، وتأمين رواتبهم والمستلزمات التي يحتاجونها، والتخطيط لتوفير فرق طبية كافية في أوقات الطوارئ. فتعافي لبنان لا يعتمد فقط على بقاء المستشفيات قائمة، بل على قدرة الأشخاص داخلها على الاستمرار في تقديم الرعاية.