video thumbnail

لبنان - بينما تواصل المدارس في مختلف أنحاء الشرق الأوسط التعافي من سنوات من الأزمات والنزاعات والاضطرابات، يواجه التربويون حقيقة متزايدة الوضوح: لا يمكن تحقيق التعافي الأكاديمي من دون معالجة رفاه الطلاب أولاً.

وفي لبنان، حيث عاش الأطفال أزمات متداخلة ومتلاحقة، بات التأثير النفسي والعاطفي على الطلاب أمراً لا يمكن تجاهله.

استجابةً لهذه التحديات المتزايدة، وسّعت منصة “BuzzGage”، المتخصصة في رفاه الطلاب، والمشاركة التعليمية، والتنمية الاجتماعية والعاطفية، نطاق عملها ليشمل إطاراً لرفاه الطلاب بعد الأزمات، صُمم خصيصاً للمدارس في المنطقة.

وتعمل الشركة مع أنظمة تعليمية في أوروبا والشرق الأوسط والولايات المتحدة، وتؤكد أن هذه المبادرة جاءت بعد ملاحظة كيف استمرت آثار النزاعات، والنزوح، وعدم الاستقرار، وتعطل التعليم، في التأثير على الطلاب حتى بعد انحسار الأزمات.

ويقول ، المدير الإداري والشريك المؤسس لـBuzzGage: “لاحظنا أن الطلاب في المنطقة، حيث تعطّل التعليم واضطر كثيرون إلى الدراسة عبر الإنترنت، ما زالوا يحملون آثار تلك التجارب”. ويضيف: “ما نقدّمه هو عدسة تشخيصية لفهم رفاه الطلاب”.

نموذج قائم على ستة محاور

يرتكز المشروع على نموذج لرفاه الطلاب بعد الأزمات قائم على ستة محاور، صُمم لمساعدة المدارس على رصد الحالات النفسية والعاطفية التي غالباً ما تبقى غير مرئية داخل الصفوف الدراسية.

ويركّز الإطار على ستة عناصر أساسية تؤثر في تعافي الطلاب، وهي: الشعور بالأمان والقدرة على التنبؤ، النزوح والانقطاع، معالجة الحزن والفقدان، التعرّض للمعلومات المزعجة، الأمل والقدرة على الفعل، إضافة إلى التهديد المرتبط بالهوية والحساسية تجاه الوصمة الاجتماعية.

وبحسب شهاب، غالباً ما تفتقر المدارس إلى رؤية واضحة لهذه الجوانب، رغم تأثيرها المباشر على التعلّم، والانخراط، والشعور بالانتماء. ويقول: “المنظومة، وفي هذه الحالة المدارس، لا تملك غالباً أي رؤية واضحة حول هذه المحاور”.

ومن خلال أداة تقييم مجهولة الهوية ومصممة وفق الفئات العمرية، يجيب الطلاب على مجموعة من الأسئلة، لتُقارن النتائج لاحقاً بأطر عمل قائمة على الأدلة ومعترف بها عالمياً.

ولا تهدف هذه العملية إلى تشخيص الطلاب بشكل فردي، بل إلى تزويد المدارس بفهم أوسع للظروف النفسية والعاطفية التي تؤثر على مجتمعاتها التعليمية، ومن ثم تطوير خطط عمل مناسبة استناداً إلى النتائج.

كما أن الإطار مصمم ليكون غير سريري بطبيعته. فبدلاً من التركيز على التشخيص النفسي، يهدف إلى مساعدة المدارس على بناء بيئات تعليمية أكثر أماناً واستجابة، من خلال قرارات قيادية أفضل، ودعم إرشادي، وثقافة مدرسية شاملة، وأنظمة تواصل أكثر فعالية.

لبنان: “حالة خاصة”

تأتي هذه المبادرة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى لبنان، حيث أمضى الطلاب سنوات وهم يتعاملون مع أزمات متراكمة ومتداخلة. وعلى عكس الدول التي تواجه أزمة واحدة أو حدثاً طارئاً محدداً، عاش الجيل اللبناني الشاب حالة متكررة من عدم الاستقرار، من دون وقت كافٍ للتعافي بين أزمة وأخرى.

ويقول شهاب: “لبنان حالة خاصة. فهو لا يمر بأزمة واحدة، بل بأزمات متراكمة، لذلك تعرّض الطلاب إلى الكثير من الأزمات منذ عام 2019”.

ويجعل هذا التعرّض الطويل الأمد نموذج المحاور الستة أكثر أهمية بالنسبة إلى المدارس اللبنانية.

فأحد أبرز محاور الإطار، وهو “الشعور بالأمان والقدرة على التنبؤ”، يعكس تحدياً متزايداً لدى الطلاب الذين باتوا معتادين على حالة عدم اليقين. فقد أدت الأزمات الاقتصادية، وإغلاق المدارس، والاضطرابات السياسية، والنزاعات الإقليمية، إلى تعطيل الروتين اليومي الضروري للأمان النفسي والتطور التعليمي.

أما محور “النزوح والانقطاع”، فيتناول الطلاب الذين تعطلت بيئاتهم التعليمية والاجتماعية بسبب النزاعات، أو الهجرة، أو عدم الاستقرار المستمر. وحتى الطلاب الذين ما زالوا موجودين جسدياً داخل المدارس قد يعانون شعوراً بالانفصال النفسي نتيجة التغييرات المستمرة وعدم اليقين.

كما يسلّط الإطار الضوء على “معالجة الحزن والفقدان”، وهي قضية تمسّ العديد من العائلات اللبنانية التي واجهت خلال السنوات الأخيرة الانهيار المالي، والهجرة، والوفيات، وتفكك المجتمعات المحلية.

ورغم أهمية هذه المبادرة، فإن تطبيقها في لبنان قد يواجه تحديات تتجاوز مسألة الموارد والإمكانات.

ويشير شهاب إلى أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية لا تزال تشكل إحدى أكبر العقبات في المنطقة. فالنقاشات المتعلقة بالرفاه النفسي ما زالت تُنظر إليها غالباً من زاوية طبية أو اجتماعية حساسة، ما يجعل بعض المدارس مترددة في معالجة هذه القضايا بشكل علني.

ومن خلال تقديم الرفاه كجزء من التنمية التعليمية، وليس كتدخل نفسي أو طبي، يحاول نموذج المحاور الستة جعل هذه النقاشات أكثر قبولاً لدى المدارس، والعائلات، وصنّاع القرار.

ومع استمرار القطاع التعليمي في لبنان في البحث عن سبل لإعادة البناء بعد سنوات من الأزمات، يقدّم هذا الإطار مقاربة لا تقوم فقط على التعافي الأكاديمي، بل أيضاً على فهم ما اختبره الطلاب نفسياً وعاطفياً خلال تلك السنوات.

وبالنسبة إلى كثير من المدارس، قد تصبح هذه الرؤية الواضحة لحالة الطلاب النفسية لا تقل أهمية عن العلامات أو نسب الحضور، في تحديد ما إذا كان الطلاب يتعافون فعلاً أم لا.