
لبنان – في ربيع عام 2025، اجتاحت عبارة "آلو، بيلاتس، ماتشا" منصات التواصل الاجتماعي في لبنان. وما بدأ كصوتٍ بسيط على تيك توك، تحوّل سريعًا إلى ترند واسع تجاوز الإعلانات ليصبح ظاهرة ثقافية بحد ذاتها. لكن ما الذي تعنيه هذه العبارة فعليًا؟
في جوهرها، تنتمي هذه الظاهرة إلى ما يُعرف بثقافة العافي (Wellness Culture) ، وهو مفهوم صاغه الدكتور هالبرت ل. دن في خمسينيات القرن الماضي، حيث قدّمه في كتابه "High-Level Wellness" بوصفه "حالة ديناميكية من التطوّر، يتحرك فيها الفرد نحو مستويات أعلى من الأداء الإنساني". ومع مرور العقود، تطورت هذه الفكرة، خاصة في السبعينيات، لتصبح مرتبطة بأسلوب الحياة، والوقاية، والتوازن، وجودة الحياة.
في السياق اللبناني، لم تكن العافية يومًا مفهومًا غريبًا. فقد تجلّت تاريخيًا في ممارسات يومية بسيطة: مشاركة الوجبات، الجلوس مع الجيران، والتفاعل داخل مساحات اجتماعية حيّة. لم تكن العافية منتجًا يُشترى، بل تجربة تُعاش ضمن النسيج المجتمعي.
غير أنّ هذا المعنى بدأ يتغيّر. فقد تحوّلت العافية تدريجيًا إلى نمط استهلاكي عالمي: حصص بيلاتس، استوديوهات يوغا، ملاعب بادِل، ملابس رياضية فاخرة، ومشروبات صحية بأسعار مرتفعة، تبدو أحيانًا أكثر "صحة" من قدرة الناس الشرائية نفسها.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا. إذ أصبحت العافية، في كثير من جوانبها، أقل إتاحةً وأكثر ارتباطًا بالامتياز الاجتماعي. ووفقًا لموقع Numbeo، يبلغ متوسط تكلفة الاشتراك في نادٍ رياضي في لبنان نحو 63.53 دولارًا، في حين لا يتجاوز متوسط الدخل الشهري 650 دولارًا، أي ما يقارب 10% من الدخل وهي نسبة تُشكّل عبئًا حقيقيًا على شريحة واسعة من السكان.
إلى جانب ذلك، تُفاقم البنية الحضرية هذا التحدي. فالأرصفة غالبًا ما تكون غير صالحة أو مسدودة، والمساحات الخضراء محدودة أو مهملة، فيما تتقلّص المساحات الساحلية عامًا بعد عام، بحيث لم يبقَ سوى نحو 20% من الشاطئ اللبناني مفتوحًا ومجانيًا للاستخدام العام.
وفي هذا السياق، يُطرح سؤال أساسي: أين يذهب من لا يستطيع تحمّل كلفة صالة رياضية خاصة، أو شاطئ، أو ملعب خاص؟ الإجابة تكشف تحوّل العافية من حقّ جماعي إلى امتياز قابل للشراء، بدل أن تكون تجربة مجتمعية متاحة للجميع.
كيف يمكن استعادة العافية؟
لاستعادة العافية، لا بد من إعادة تعريفها خارج الإطار الاستهلاكي الضيق. فالعافية في جوهرها تنبع من الروابط الاجتماعية، ومن جودة الحياة المشتركة داخل المجتمع. ولبنان لا يحتاج إلى استيراد المزيد من “صيحات العافية”، بل إلى إعادة تفعيل ما هو موجود أصلًا ولكن مُهمل.
1. إعادة العافية إلى المساحات العامة
إذا كانت العافية ترتبط بالحركة، والتواصل، والصحة النفسية، فإن الفضاءات العامة تصبح عنصرًا أساسيًا في تحقيقها.
حديقة صغيرة، رصيف آمن، أو شاطئ عام مفتوح، يمكن أن تشكّل جميعها بنية تحتية للصحة المجتمعية. ليس المطلوب الكمال، بل الإتاحة: مساحات نظيفة، آمنة، مظللة، ومفتوحة للجميع.
يمكن للبلديات، والمبادرات الشبابية، والجامعات، ومنظمات المجتمع المدني أن تلعب دورًا محوريًا عبر إطلاق أنشطة مجانية مثل مجموعات المشي، جلسات يوغا في الحدائق، أيام دراجات عامة، وحملات تنظيف مجتمعية. هذه المبادرات تُحوّل الفضاءات المهملة إلى أماكن حية تُعيد ربط الناس ببعضها.
في بلد يتزايد فيه الضغط النفسي والاجتماعي، تصبح هذه المساحات أكثر من مجرد “مرافق عامة”—إنها بنية تحتية للصحة العامة والرفاه الجماعي.
2. إعادة تعريف العافية كقيمة جماعية
أحد أبرز تحوّلات ثقافة العافية المعاصرة هو تحولها إلى أداء استعراضي. إلا أن العافية الحقيقية أقل ضجيجًا وأكثر عمقًا: نوم أفضل، حركة يومية، غذاء متوازن، وشعور بالأمان في الحي.
في السياق اللبناني، حيث تتداخل الضغوط الاقتصادية مع عدم الاستقرار والقلق اليومي، لا يمكن اختزال العافية في مسؤولية فردية فقط، بل يجب فهمها كنتاج لظروف جماعية.
وهنا تبرز أسئلة جوهرية: هل أحياؤنا قابلة للمشي؟ هل حدائقنا العامة مُصانة؟ هل يمكن للشباب ممارسة الرياضة دون تكاليف مرتفعة؟ هل الشاطئ حق عام أم امتياز خاص؟ وهل يشعر الجميع—نساءً، أطفالًا، كبار سن، وأشخاصًا ذوي إعاقة—بالأمان في الفضاء العام؟
إن استعادة العافية تعني الانتقال من منطق الاستهلاك الفردي إلى منطق الحقّ العام، حيث تصبح الصحة والرفاه نتيجة للتخطيط الحضري، والسياسات العامة، والثقافة المجتمعية، وليس مجرد خيار شخصي مدفوع الثمن.