
العالم – يدخل التمويل الإنمائي العالمي مرحلة من الضغوط المتزايدة، حيث شهد عام 2025 تراجعًا في المساعدات الإنمائية الرسمية (ODA) بنسبة 23.1% مقارنة بالعام السابق، وهو أكبر انخفاض سنوي يتم تسجيله حتى الآن.
ويأتي هذا التراجع الحاد في وقت تواجه فيه الدول النامية فجوة تمويلية تُقدَّر بنحو 4.3 تريليون دولار سنويًا، وهي المبالغ اللازمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، بما في ذلك التكيّف مع تغيّر المناخ، والرعاية الصحية، والتعليم، والبنية التحتية.
وقد أدى هذا التباين المتزايد بين تراجع الموارد العامة وارتفاع الاحتياجات العالمية إلى تعميق النقاش في سياسات التنمية حول ما إذا كان يمكن لرأس المال الخاص أن يعوّض فعليًا تراجع المساعدات، أم أن الاعتماد المتزايد عليه يتجاهل القيود الأساسية للتمويل القائم على السوق في توفير الخدمات العامة الأساسية.
ما هي المساعدات الإنمائية الرسمية (ODA)؟
تشير المساعدات الإنمائية الرسمية إلى التمويل العام الذي تقدّمه الحكومات في الدول الغنية لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول منخفضة الدخل. وهي واحدة من أكثر أدوات التضامن الدولي وإعادة توزيع الموارد رسوخًا في النظام العالمي.
وعلى عكس الاستثمار الخاص، لا تهدف هذه المساعدات إلى تحقيق عائد مالي، بل تُستخدم لتمويل مجالات أساسية للتنمية يصعب على السوق تمويلها.
يشمل ذلك أنظمة الرعاية الصحية الأولية، والبنية التحتية للتعليم، والإغاثة الإنسانية، والتكيف مع تغيّر المناخ، ودعم الدول الهشّة أو المتأثرة بالنزاعات.
بما أنها تمويلات عامة، توفر ODA مصدرًا أكثر استقرارًا على المدى الطويل للدول التي تفتقر إلى القدرة المالية لتغطية هذه الاحتياجات داخليًا. ولذلك فإن تراجعها بنسبة 23.1% في عام 2025 لا يمثل مجرد تعديل في الأرقام، بل يشير إلى تراجع أحد الأعمدة الأساسية للتمويل التنموي المستقر في وقت تتزايد فيه الاحتياجات العالمية.
حجم فجوة التمويل البالغة 4.3 تريليون دولار
يتضح أثر تراجع المساعدات بشكل أكبر عند النظر إلى حجم فجوة التمويل العالمية. إذ تواجه الدول النامية حاليًا عجزًا سنويًا يُقدَّر بـ 4.3 تريليون دولار لتلبية احتياجات التنمية المستدامة.
ويعكس هذا العجز مجموعة من الضغوط المتداخلة، أبرزها احتياجات الاستثمار في المناخ، سواء للتخفيف من الانبعاثات أو التكيّف مع آثارها، والتي تُقدَّر وحدها بنحو 1.8 تريليون دولار سنويًا.
وإلى جانب المناخ، هناك حاجة واسعة لتوسيع خدمات الرعاية الصحية، وتعزيز أنظمة التعليم، وبناء بنى تحتية أكثر صمودًا، والحفاظ على أنظمة الحماية الاجتماعية في الدول التي تعاني من الفقر وعدم الاستقرار.
وفي الوقت نفسه، تؤدي ارتفاعات الديون، وزيادة كلفة الاقتراض، وتكرار الصدمات المناخية إلى تقليص الحيّز المالي المتاح أمام العديد من الدول النامية، ما يزيد من اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.
مجموعة السبع (G7) ودورها في تمويل التنمية العالمي
تتألف مجموعة السبع من سبع اقتصادات متقدمة هي: كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، مع مشاركة الاتحاد الأوروبي في النقاشات.
ورغم أنها تمثل نسبة محدودة من سكان العالم، إلا أنها تساهم بحصة كبيرة من الناتج الاقتصادي العالمي، ما يمنحها تأثيرًا كبيرًا على أولويات التمويل الدولي.
ورغم أن المجموعة لا تمتلك سلطة تنفيذية مباشرة، فإن قراراتها وتوجهاتها تؤثر بشكل واسع على مستويات المساعدات الإنمائية الرسمية، وعلى اتجاهات تمويل المناخ، وعلى سياسات المؤسسات المالية متعددة الأطراف. وبالتالي، فإن نقاشات G7 تلعب دورًا مهمًا في تحديد كيفية استجابة النظام العالمي لاحتياجات التنمية المتزايدة.
الاعتماد المتزايد على تعبئة رأس المال الخاص
مع تراجع المساعدات الإنمائية الرسمية، يتجه صانعو السياسات بشكل متزايد إلى رأس المال الخاص كأحد الحلول الممكنة لسد فجوة التمويل. ويقوم هذا النهج على فكرة أن المستثمرين الكبار، مثل صناديق التقاعد والبنوك والمؤسسات المالية الخاصة، يمكن تشجيعهم على الاستثمار في الدول النامية إذا تم تقليل المخاطر المرتبطة بهذه الاستثمارات.
ويتم ذلك عادة من خلال استخدام التمويل العام لتقليل المخاطر (de-risking) أو من خلال دمج التمويل العام والخاص في مشاريع مشتركة.
وفي عام 2023، تم تعبئة نحو 87.9 مليار دولار من رأس المال الخاص لصالح الدول منخفضة ومتوسطة الدخل عبر هذه الآليات.
ومع ذلك، يبقى هذا الرقم محدودًا جدًا مقارنة بالاحتياجات السنوية التي تُقدَّر بتريليونات الدولارات، ما يبرز أحد القيود الأساسية لهذا النهج.
لماذا لا يمكن للتمويل الخاص أن يحل محل المساعدات العامة؟
لا يقتصر الفرق بين رأس المال الخاص والتمويل التنموي العام على الحجم فقط، بل يمتد إلى الوظيفة. فالمستثمرون في القطاع الخاص يتخذون قراراتهم بناءً على العائد المتوقع، ومستوى المخاطر، وسهولة السيولة، واستقرار العوائد.
لذلك يتركز الاستثمار عادة في قطاعات مثل الطاقة، والاتصالات، والبنية التحتية القابلة لتحقيق أرباح واضحة.
لكن العديد من الاحتياجات التنموية الأساسية لا تحقق عوائد مالية كافية لجذب الاستثمار الخاص دون دعم كبير من القطاع العام. ويشمل ذلك أنظمة الرعاية الصحية الأولية، والتعليم في المناطق الريفية، والتكيف مع تغيّر المناخ في المناطق عالية المخاطر، والاستجابة للكوارث، وأنظمة الحماية الاجتماعية.
هذه الخدمات ضرورية لتحقيق التنمية، لكنها ليست مصممة لتكون مربحة، ما يخلق فجوة بنيوية لا يمكن للتمويل الخاص وحده سدّها. وعند تراجع المساعدات الإنمائية، تكون هذه القطاعات غالبًا الأكثر تأثرًا، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات مباشرة على الفقر والصمود الاجتماعي.
التوتر الأساسي بين المساعدات والاستثمار
يدور النقاش العالمي الحالي حول توتر أساسي بين مسارين في تمويل التنمية. فمن جهة، يدفع تراجع المساعدات الحكومات إلى الاعتماد بشكل أكبر على القطاع الخاص. ومن جهة أخرى، تحد طبيعة الاحتياجات التنموية الأساسية من قدرة الأسواق على استبدال التمويل العام.
هذا يخلق خطر المبالغة في تقدير قدرة رأس المال الخاص على التعويض، مقابل التقليل من أهمية المساعدات العامة المستمرة. وفي المقابل، لا يمكن الاعتماد على المساعدات وحدها في ظل الضغوط المالية التي تواجهها الدول المانحة.
وبالتالي، فإن التحدي لم يعد اختيار أحد النموذجين، بل إعادة التفكير في كيفية دمجهما ضمن منظومة واحدة أكثر توازنًا وفعالية.
مستقبل تمويل التنمية
يشهد تمويل التنمية تحولًا تدريجيًا نحو تجاوز النموذج التقليدي القائم على المساعدات، باتجاه إطار أوسع يشمل التجارة والاستثمار وإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في سياق التصنيع الأخضر، حيث تواجه الدول النامية خطر التهميش إذا لم يتم دمجها بشكل أفضل في مسارات التحول الاقتصادي العالمي.
وفي هذا السياق، أصبحت شراكات التنمية تُفهم بشكل متزايد على أنها تحالفات استراتيجية بدلًا من كونها تحويلات مالية أحادية الاتجاه، مع تركيز أكبر على الأولويات المشتركة وقياس الأثر الفعلي.
كما أصبح نظام التمويل أكثر تعقيدًا، مع مشاركة عدد أكبر من الفاعلين، بما في ذلك المؤسسات متعددة الأطراف، وبنوك التنمية، والمستثمرين، والمؤسسات الخيرية، ما يزيد من الحاجة إلى التنسيق، خاصة مع تراجع الموارد العامة
وفي هذا الإطار، تركز رئاسة مجموعة السبع الفرنسية على خطرين رئيسيين يهددان الاستقرار الاقتصادي والأمني، رغم محدودية الهامش السياسي للتقدم في ظل الصراعات القائمة. يتمثل الخطر الأول في الاختلالات الاقتصادية الكلية بين الكتل الاقتصادية الكبرى، والتي تعيد تشكيل سياساتها الصناعية. أما الخطر الثاني، فهو أن يصبح من الصعب بشكل متزايد على بقية العالم تمويل الاستثمارات اللازمة للتنمية المستدامة والتصنيع.
ويبرز دور بنوك التنمية العامة بشكل متزايد كعنصر محوري في هذا النظام، حيث لا يقتصر دورها على التمويل، بل يشمل أيضًا فهم السياقات المحلية والمساعدة في إعداد المشاريع. ويُنظر إلى تعزيز دورها وتحسين التنسيق بينها وتقليل مخاطر الاستثمار في الدول النامية كخطوات أساسية لزيادة فعالية التمويل التنموي.
كما يضيف تغيّر المناخ والكوارث الطبيعية ضغطًا إضافيًا، إذ تجعل الظواهر المناخية المتطرفة بعض المناطق غير قابلة للتأمين، بما في ذلك في الدول المتقدمة، ما يهدد الاستقرار المالي عالميًا.
إلى جانب ذلك، يزداد حضور قضايا التنوع البيولوجي في أجندة التمويل التنموي، مع تطور أنظمة جديدة لقياس المخاطر البيئية وتعزيز الشفافية والمساءلة، إضافة إلى إعادة النظر في اعتبار تمويل الطبيعة فرصة اقتصادية وليس مجرد تكلفة.
وفي المحصلة، يعتمد مستقبل تمويل التنمية على قدرة التعاون الدولي على التكيف مع عالم أكثر انقسامًا وعدم استقرار، وعلى ما إذا كانت آليات التنسيق العالمية قادرة على التطور بالسرعة الكافية لمواكبة حجم وتعقيد التحديات التنموية والمناخية الحالية.