
عالم – تسارع شركات التكنولوجيا الكبرى في بناء البنية التحتية الضخمة اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، لكن أبحاثاً جديدة تشير إلى أن هذه المنشآت قد تؤثر على البيئة المحلية أكثر مما كان يُعتقد سابقاً.
تعمل شركات تقنية كبرى مثل Google وAmazon وMicrosoft على توسيع ما يُعرف بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي “فائقة الحجم” (hyperscale). وهي مبانٍ ضخمة تحتوي على آلاف الحواسيب القوية التي تشغّل أدوات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT وGemini وClaude على مدار الساعة.
وأظهرت دراسة حديثة قادها باحثون من جامعة كامبريدج وجامعات أخرى أن المناطق المحيطة بهذه المراكز تصبح أكثر حرارة بعد تشغيلها. إذ يرتفع متوسط درجة حرارة سطح الأرض بنحو درجتين مئويتين، وقد يصل الارتفاع في بعض المناطق إلى 9 درجات مئوية. ويطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم “تأثير جزيرة الحرارة الناتج عن مراكز البيانات”.
واعتمدت الدراسة على بيانات أقمار صناعية جُمعت على مدى 20 عاماً، إلى جانب معلومات عن أكثر من 11 ألف مركز بيانات حول العالم. ووجدت أن أثر ارتفاع الحرارة يمكن رصده حتى مسافة 10 كيلومترات من بعض المنشآت. ويقدّر الباحثون أن أكثر من 340 مليون شخص حول العالم قد يعيشون ضمن هذا النطاق.
وتأتي هذه النتائج في ظل تزايد المخاوف بشأن الأثر البيئي للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فمراكز البيانات تستهلك بالفعل كميات كبيرة من الكهرباء. ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة (IEA)، فقد استهلكت هذه المراكز نحو 415 تيراواط ساعة من الكهرباء في عام 2024، أي ما يعادل حوالي 1.5% من إجمالي الاستهلاك العالمي. ومن المتوقع أن يقترب هذا الرقم من الضعف بحلول عام 2030.
وتُعد مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي أكثر استهلاكاً للطاقة لأنها تعتمد على آلاف الشرائح الإلكترونية عالية الأداء التي تعمل في الوقت نفسه لمعالجة مهام معقدة. وعلى عكس المواقع أو التطبيقات التقليدية، تحتاج أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى قدرة حوسبة ضخمة ومستمرة.
هذا الاستهلاك الكبير للطاقة يولّد حرارة عالية، ما يفرض استخدام أنظمة تبريد متقدمة لمنع ارتفاع درجات الحرارة داخل المراكز. وغالباً ما تعتمد هذه الأنظمة على المياه. وتشير تقديرات تقرير استشاري حكومي في المملكة المتحدة إلى أن مركز بيانات بقدرة 100 ميغاواط قد يستهلك نحو 2.5 مليار لتر من المياه سنوياً، وهو ما يعادل استهلاك 80 ألف شخص تقريباً خلال العام.
كما يتزايد عدد مراكز البيانات بشكل سريع. إذ يوجد حالياً أكثر من 11,600 مركز بيانات حول العالم. وتتصدر الولايات المتحدة القائمة بأكثر من 4,300 مركز، تليها أوروبا بقيادة المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا. أما في آسيا، فتعد الصين والهند من أبرز المراكز، فيما تشهد جنوب شرق آسيا نمواً سريعاً.
وتتوسع مراكز البيانات فائقة الحجم بشكل خاص، إذ تضاعف عددها تقريباً منذ عام 2021 ليصل إلى نحو 1,300 مركز حول العالم.
كما يشهد القطاع استثمارات ضخمة. إذ تتوقع مؤسسة “غولدمان ساكس” أن تنفق شركات التكنولوجيا الكبرى نحو 5.3 تريليون دولار بين عامي 2025 و2030 على تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وتشمل المشاريع الكبرى مركز “هيبيريون” التابع لـMeta في ولاية لويزيانا بقيمة 27 مليار دولار، وتوسعة Amazon في ميسيسيبي بقيمة 25 مليار دولار، ومشروع Microsoft في ويسكونسن بقيمة 20 مليار دولار، ومركز Google في ميزوري بقيمة 15 مليار دولار.
كما يجري تطوير مشروع “ستارغيت” التابع لشركة أوراكل في تكساس، وهو مركز حوسبة ضخم مخصص للذكاء الاصطناعي لصالح شركة OpenAI.
ويشير الباحثون إلى أن القلق الأساسي يتمثل في أن هذه التأثيرات البيئية محلية لكنها ملموسة. فعلى الرغم من أن مراكز البيانات تُبنى غالباً خارج المدن الكبرى، إلا أنها قد ترفع درجات الحرارة في المناطق المحيطة، وتزيد الضغط على موارد المياه، وتضع عبئاً إضافياً على شبكات الطاقة المحلية.
ويرى خبراء أن التحدي الحالي يكمن في تحقيق توازن بين النمو السريع للذكاء الاصطناعي وبين تكلفته البيئية، خصوصاً مع استمرار ارتفاع الطلب العالمي على خدمات الذكاء الاصطناعي.