
لبنان – في 10 حزيران 2026، رفعت المملكة العربية السعودية الحظر الذي كانت قد فرضته على الواردات اللبنانية قبل ما يقارب خمس سنوات، وذلك في ضوء النتائج الإيجابية التي تحققت نتيجة تشديد الإجراءات الأمنية اللبنانية في المرافئ والمطارات والمعابر الحدودية البرية.
غادرت أول شحنة من الصادرات اللبنانية مرفأ بيروت في 20 حزيران2026. وفي هذه المناسبة، قال رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، الذي كان حاضراً في المرفأ إلى جانب السفير السعودي لدى لبنان فهد الدوسري، إن لبنان «لن يسمح بعد اليوم بأن يُستخدم كمنطلق للإضرار بدول الجوار العربي»، مضيفاً أن البلاد تسعى بدلاً من ذلك إلى أن تكون «شريكاً في أمنهم واستقرارهم وازدهارهم».
ويمثل هذا القرار إعادة فتح السوق السعودية أمام الصادرات اللبنانية، ما قد يشكّل نقطة تحوّل مهمة للمصدرين الذين يعتمدون بشكل كبير على التجارة الزراعية والغذائية. غير أن خبراء يحذّرون من أن حجم الفوائد سيعتمد على مدى قدرة لبنان على معالجة نقاط الضعف البنيوية المزمنة في نظامه التصديري.
ويقول الاقتصادي ورجل الأعمال وليد أبو سليمان لمنصة إنمائية إن العلاقة بين لبنان والمملكة العربية السعودية لطالما تجاوزت الأرقام التجارية الثنائية البحتة.
هيكل الصادرات اللبنانية
في عام 2020، قُدّرت الصادرات اللبنانية إلى السعودية بنحو 240 مليون دولار، ما جعل المملكة أحد أهم الأسواق الإقليمية للصادرات اللبنانية.
وقد تشكّلت هذه التجارة بشكل رئيسي من المنتجات الغذائية والزراعية، إلى جانب منتجات صناعية خفيفة. وشكّلت الفواكه والخضروات وحدها نحو 12% من إجمالي الصادرات اللبنانية إلى المملكة، ما يعكس ثقل القطاع الزراعي في هذه العلاقة التجارية. كما شملت فئات التصدير منتجات بحرية (أكثر من 500 ألف دولار) ومأكولات مصنّعة.
كما وصلت قيمة السلع الاستهلاكية مثل مستحضرات التجميل والعناية الشخصية إلى نحو 13.6 مليون دولار في عام 2021، ما يعكس تنوع الصادرات اللبنانية إلى السوق السعودية قبل فرض القيود.
من تأثر بهذه التجارة؟
لكن، كما يشرح أبو سليمان، فإن تأثير هذه التجارة لم يقتصر على المزارعين فقط.
استفادت من الوصول إلى السوق السعودية سلاسل قيمة كاملة: المزارعون في البقاع والشمال، مصانع الأغذية، شركات التغليف، مزوّدو الخدمات اللوجستية، مرافق التخزين المبرد، شركات النقل، وسطاء الشحن، وتجار الجملة.
وبهذا المعنى، ساهم الطلب السعودي في دعم منظومة واسعة من فرص العمل وتوليد الدخل عبر قطاعات متعددة من الاقتصاد اللبناني.
لماذا كانت السوق السعودية مهمة أبعد من الصادرات؟
على الرغم من أن الصادرات إلى السعودية شكّلت حصة محدودة من الاقتصاد اللبناني الكلي، إلا أن أهميتها تجاوزت قيمتها النقدية. فقد وفّرت المملكة للمُنتجين اللبنانيين سوقاً قريبة وذات دخل مرتفع وبعملة صعبة، مع طلب قوي على المنتجات الزراعية والغذائية والاستهلاكية.
وبالنسبة للبنان، الذي يعاني من عجز تجاري مزمن وضعف في تنويع الصادرات، فإن الوصول المستقر إلى مثل هذه الأسواق يُعدّ عاملاً أساسياً.
ويشير أبو سليمان إلى أن السوق السعودية لعبت دوراً محورياً في دعم سبل العيش في المناطق الريفية والتوظيف الموسمي. كما أن عائدات التصدير من الزراعة والصناعات الغذائية وفّرت تدفقات بالدولار في اقتصاد يعاني من تقلبات نقدية ونقص في السيولة.
وعند انقطاع الوصول إلى هذه السوق، انعكست التداعيات سريعاً على مستوى القطاعات: انخفاض أسعار الإنتاج الزراعي، تراكم المخزون غير المباع، تراجع السيولة لدى المصدرين، وضعف حوافز الإنتاج.
وقبل فرض الحظر، كانت السعودية تستوعب أكثر من خمس الصادرات الزراعية اللبنانية، ما يبرز حجم الاعتماد في هذا القطاع.
نقاط الضعف البنيوية التي كشفها الحظر
لم تكن النتيجة الأهم للقيود السعودية مجرد خسارة السوق، بل كشفها لضعف بنيوي عميق في نموذج التصدير اللبناني.
ويحدد أبو سليمان عدة نقاط ضعف أساسية. أولاً، الاعتماد المفرط على عدد محدود من الأسواق الإقليمية، ما يجعل لبنان عرضة للصدمات السياسية والتنظيمية.
ثانياً، ضعف أنظمة الرقابة التصديرية، خصوصاً في ما يتعلق بتتبع المنتجات، وفحص الحدود، وشهادات الشحن، بما لا يواكب المتطلبات الدولية المتزايدة.
ثالثاً، يعاني العديد من المنتجين والمصدرين اللبنانيين من محدودية الحجم وغياب التوحيد القياسي. إذ لا تزال ممارسات التعبئة والتغليف، وأنظمة ضمان الجودة، والشهادات المعترف بها دولياً غير متساوية عبر القطاع.
وهذا ما يضعف القدرة التنافسية ويحد من إمكانية توقيع عقود طويلة الأمد مع مستوردين كبار.
إعادة فتح تتطلب إصلاحاً لا مجرد تعافٍ
مع إعلان السعودية استئناف استيراد المنتجات اللبنانية، يسود تفاؤل حذر بين المصدرين. ومن المتوقع أن يكون الأثر الاقتصادي الأول إيجابياً، لكنه تدريجي وليس فورياً.
وبحسب أبو سليمان، سيكون التأثير الأول نفسياً، من خلال تحسن معنويات السوق واستعادة الثقة بين المصدرين والمستوردين.
يتبع ذلك تعافٍ بطيء في الطلبات التصديرية، وتحسن في التدفقات النقدية، وارتفاع تدريجي في الطلب على المنتجات الزراعية والغذائية اللبنانية.
وفي هذا السياق، يواجه القطاع الزراعي والغذائي في لبنان تحديين متوازيين: استعادة الحصة السوقية المفقودة، وفي الوقت نفسه تحديث الأنظمة التي تحكم الإنتاج والشهادات وسلاسل الإمداد.
وكما يشير أبو سليمان، فإن السوق السعودية ليست مجرد وجهة للصادرات اللبنانية، بل هي مرآة تعكس نقاط القوة والضعف في الاقتصاد التصديري اللبناني. وما إذا كان هذا الانفتاح سيشكّل نقطة تحوّل أم مجرد انفراج مؤقت، سيعتمد على سرعة معالجة هذه التحديات.
وبشكل عام، فإن تعزيز الحوكمة، وإعادة هيكلة نظام التصدير، وتحسين القدرات المؤسسية واللوجستية، تُعد خطوات أساسية لدعم التنمية الريفية، وجذب الاستثمارات إلى القطاع، واستعادة موقع لبنان في الأسواق الإقليمية.