
جنيف — يعيد الذكاء الاصطناعي بسرعة كتابة قواعد وظائف المبتدئين، مما يترك ملايين الشباب أمام مستقبل مهني غير مؤكد.
يكشف تقرير تحليلي شامل نُشر هذا الشهر من قبل المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) بالتعاون مع شركة PwC أن أكثر من واحد من كل ثلاثة عاملين شباب (37%) حول العالم يعملون حالياً في وظائف تتعرض بدرجة متوسطة إلى عالية لتغيرات في المهام بسبب الذكاء الاصطناعي. وترتفع هذه النسبة بشكل كبير لتصل إلى 75% في شرق آسيا، و69% في أمريكا الشمالية، و63% في أوروبا، مع تأثير أكبر على القطاعات المعتمدة على المعرفة مثل الخدمات المالية، وتكنولوجيا المعلومات، والخدمات المهنية.
يحذر التقرير، الذي يحمل عنوان: "الذكاء الاصطناعي ومستقبل العمل للمبتدئين: إطار لحماية وإعادة ابتكار مسارات البدايات المهنية"، من أن الهيكلية الهرمية التقليدية للشركات، التي كانت تعتمد تاريخياً على موظفين مبتدئين لتنفيذ مهام روتينية لبناء المهارات الأساسية، تتعرض لضغط شديد.
مفارقة التوظيف: تباطؤ وعدم يقين
يشير التقرير إلى تراجع فعلي في وظائف المبتدئين، مع انخفاض بنسبة 16% في الوظائف الأولية ضمن المجالات الأكثر تأثراً بالذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة منذ أواخر عام 2022. ومع ذلك، يحذر الخبراء من إلقاء اللوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي، إذ تُظهر البيانات أن تباطؤ التوظيف بدأ قبل نحو عام من إطلاق ChatGPT، مما يشير إلى مزيج من عدم اليقين الاقتصادي وضبط التكاليف.
فيما يتوقع 36% من كبار القادة أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى خفض عدد وظائف المبتدئين خلال السنوات الثلاث المقبلة، يرى 38% منهم العكس تماماً، ما يعكس انقساماً واضحاً في التوقعات. كما بدأت بعض الشركات في التكيف مع هذا التحول؛ فعلى سبيل المثال، قامت شركة Dropbox بزيادة برامج التدريب والتوظيف للخريجين بنسبة 25%، مع إعادة استثمار مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي في مشاريع استراتيجية ذات قيمة أعلى بدلاً من تقليص القوى العاملة.
إعادة تصميم الوظائف لتجنب "مخرجات العمل الرديئة"
من أبرز المخاوف التي يطرحها التقرير خطر "الضمور المعرفي" وزيادة ضغط العمل. وبينما أفاد 68% من الموظفين المبتدئين بأنهم يحققون زيادة في الإنتاجية بفضل الذكاء الاصطناعي، قال 45% إنهم يقضون وقتاً أطول في العمل بشكل عام.
وبدون تدخل مدروس، هناك خطر متزايد بأن يقوم الذكاء الاصطناعي بأتمتة الجوانب الإبداعية والممتعة من العمل، مما يترك البشر مع مهام مجزأة وأقل إشباعاً.
وحذر أحد قادة القطاع في التقرير قائلاً: "بدون تصميم وظيفي مقصود، نحن لا نخلق قيمة، بل ننتج عملاً أسرع لكن أقل جودة، أي ما يمكن وصفه بـ'مخرجات العمل الرديئة'."
حالياً، فقط 16% من المؤسسات قامت بإعادة تصميم كاملة لنماذج تشغيلها لدمج الذكاء الاصطناعي. ولتجاوز هذه الفجوة، تعتمد شركات مثل مكتب المحاماة البريطاني Shoosmiths ومجموعة Hitachi نماذج متدرجة لقدرات الذكاء الاصطناعي، حيث يتم تدريب الموظفين في بداياتهم المهنية على التحقق من مخرجات الذكاء الاصطناعي وتقييمها وإدارتها بدلاً من الاعتماد عليها بشكل أعمى.
تطور المسارات المهنية غير الخطية
مع تسطح الهياكل الهرمية، لم يعد مفهوم "السلم الوظيفي" التقليدي قائماً، بل يتم استبداله بنموذج "فسيفسائي" يعتمد على نتائج المشاريع بدلاً من سنوات الخبرة.
هذا التحول يخلق فجوة مع توقعات الجيل الجديد من الموظفين. ووفقاً لاستطلاع PwC العالمي حول آمال ومخاوف القوى العاملة، لا يزال 31% من الموظفين المبتدئين يخططون لطلب ترقية تقليدية خلال العام المقبل. ويؤكد القادة ضرورة إعادة التفكير بشكل كامل في كيفية تعريف التقدم المهني ومكافأته وتوضيحه من أجل الحفاظ على المواهب.
فجوة التعليم: البرامج الأكاديمية تتأخر عن السوق
يكشف التقرير عن فجوة متزايدة بين المؤسسات الأكاديمية وسوق العمل الفعلي. عالمياً، تتغير متطلبات المهارات في الوظائف المبتدئة ذات التعرض العالي للذكاء الاصطناعي بمعدل يقارب ثلاثة أضعاف الوظائف الأخرى. ونتيجة لذلك، يعتقد 28% من العاملين المبتدئين أن نصف مهاراتهم الحالية أو أقل ستظل ذات صلة خلال ثلاث سنوات فقط.
لم تعد الشهادات الجامعية التقليدية كافية وحدها لإثبات الجاهزية لسوق العمل، إذ يبحث أصحاب العمل عن مهارات حل المشكلات الواقعية والخبرة التطبيقية في التكنولوجيا. واستجابة لذلك، طورت جهات عالمية مثل حكومة سنغافورة منظومة وطنية للمهارات لربط التعليم بسوق العمل باستخدام بيانات آنية، بينما بدأت جامعات مثل كلية الإدارة في جامعة بكين (Guanghua) بتغيير أساليب التقييم من الامتحانات الكتابية إلى مشاريع مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
دعوة للعمل: إطلاق "مختبر الخطوة الأولى"
لمنع الذكاء الاصطناعي من تعميق عدم المساواة في سوق العمل وتقويض مسارات القيادة المستقبلية، يطلق مركز الاقتصاد والمجتمع الجديد التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي مبادرة "مختبر الخطوة الأولى".
وتهدف هذه المبادرة إلى اختبار نماذج مبتكرة للاستعداد لسوق العمل من خلال تعاون مشترك بين أصحاب العمل والمؤسسات التعليمية في مختلف القطاعات حول العالم.
واختتمت Saadia Zahidi، المديرة التنفيذية للمنتدى الاقتصادي العالمي، وPeter Brown، قائد القوى العاملة العالمي في PwC، بالقول: "إدارة هذه التحولات ليست مسؤولية أقسام الموارد البشرية فقط، بل هي قضية استراتيجية على مستوى مجالس الإدارة في كل مؤسسة... إن مسارات الدخول القوية إلى سوق العمل ضرورية لتحقيق الحراك الاقتصادي والمشاركة المدنية والازدهار الشامل الذي يدعم مجتمعات مستقرة ومتماسكة."