
لبنان – بمناسبة اليوم العالمي للأمراض الحيوانية المنشأ، الذي يصادف في السادس من تموز، أجرينا مقابلة مع ميليا حمدون، الفائزة في مسابقة مدونة الشباب في إنمائية، حول مقالها الفائز بعنوان: "الحراس الصامتون: لماذا يشكّل مساري نحو الطب البيطري رحلة من أجل كوكبنا؟"
لا تكتب ميليا بصفتها طبيبة بيطرية أو متخصصة في الصحة العامة، بل بصفتها شابة تفكر في الطب البيطري كمسار مهني مستقبلي، وتتأمل في ما لاحظته داخل مجتمعها المحلي.
بالنسبة إلى ميليا، لم تبدأ رحلتها نحو الطب البيطري داخل قاعة دراسية، بل في ليلة باردة، حين رأت قطة شاردة تحتمي من عاصفة شتوية قاسية. تلك الصورة وحدها كانت كافية لتجعلها تدرك، على نحو شخصي وعميق، مدى الترابط الوثيق بين حياة الإنسان وحياة الحيوان.
وهذا الإدراك لا يستند إلى الشعور وحده، بل تؤكده الأدلة العلمية. فالأمراض الحيوانية المنشأ، أي الأمراض التي تنتقل من الحيوانات إلى الإنسان، تشكّل أكثر من 60% من مجمل الأمراض المعدية المعروفة. كما أن نحو 75% من الأمراض الجديدة أو الناشئة مصدرها الحيوانات. والتعامل الفعّال مع هذا الخطر يتطلب ما يسميه خبراء الصحة العامة نهج "الصحة الواحدة"، وهو إطار متكامل يعتبر صحة الإنسان، وصحة الحيوان، وصحة البيئة أجزاء مترابطة لا يمكن فصلها ضمن النظام نفسه.
توصلت ميليا إلى هذه الخلاصة من خلال ملاحظة الحيوانات الشاردة في حيّها. تقول: "إذا كانت الحيوانات الشاردة تمرض بشكل متكرر، أو تعاني من أمراض جلدية، أو تجد صعوبة في الوصول إلى غذاء ومياه نظيفة، فقد يكون ذلك مؤشرًا على وجود تلوث، أو سوء في إدارة النفايات، أو مشكلات بيئية أخرى."
عندما تتكدّس النفايات، تتراكم المخاطر
ومن خلال ملاحظاتها، لفتت الآنسة حمدون إلى تأثير سوء التخلص من النفايات على الحيوانات الشاردة، معتبرةً ذلك أحد أبرز مصادر القلق في حيّها. فالنفايات المتراكمة تجذب القطط والكلاب الشاردة الباحثة عن الطعام، وتعرّضها لمسببات أمراض قد تنقلها لاحقًا إلى الإنسان.
وهذا الأمر ليس افتراضًا نظريًا في لبنان. فخلال أزمة النفايات عام 2015، حين تكدست النفايات غير المرفوعة في الشوارع لأشهر، سجّل الباحثون ارتفاعًا حادًا في حالات عضّ الحيوانات المبلّغ عنها، إذ كادت أن تتضاعف ثلاث مرات، من نحو 355 حالة إلى أكثر من 1,000 حالة سنويًا.
تحولت مكبات النفايات إلى بيئات مناسبة لتكاثر الكلاب الشاردة، وقد نبّه باحثون في مجال الصحة العامة لاحقًا إلى أن سوء إدارة النفايات في لبنان يشكّل عاملًا فعليًا في زيادة خطر داء الكلب، لا سيما مع تفاقم هذا الخطر بسبب حركة الحيوانات عبر الحدود من مناطق مجاورة يُعد فيها داء الكلب مرضًا متوطنًا. وهذا مثال محلي واضح على الرابط الذي تصفه ميليا: حين نهمل النفايات، نزيد من فرص التعرّض للخطر، بالنسبة إلى الحيوانات والبشر على حد سواء.
الأطباء البيطريون: المستجيبون الأوائل لصحة الكوكب
"يمكن لهذه العلامات أن تكون بمثابة إنذارات مبكرة إلى أن شيئًا ما يتغير في البيئة. ويستطيع الأطباء البيطريون تمييز هذه الأنماط والمساعدة في تحديد المخاطر قبل أن تتحول إلى مشكلات أكبر على مستوى الصحة العامة."
يعكس ذلك الفهم المتنامي لدى ميليا للمهنة التي تطمح إلى دخولها مستقبلًا، كما يتقاطع مع ما تؤكده الأبحاث العلمية الراسخة حول أهمية رصد صحة الحيوانات ومراقبتها.
وهذا الدور الإنذاري المبكر أثبت فعاليته. فقد استخدمت فرق الصحة العامة التي تجمع بين مراقبة صحة الحيوانات والاستجابة السريعة هذا النوع من رصد الأنماط لاكتشاف تفشيات مرضية قبل انتشارها على نطاق واسع.
لماذا لا يكفي أن نحب حيواناتنا الأليفة؟
بالنسبة إلى ميليا، لا تقتصر المسؤولية تجاه الحيوانات الأليفة على توفير الطعام والمأوى. تقول: "أتمنى أن يدرك المزيد من الناس أن تربية الحيوانات الأليفة بمسؤولية تتجاوز تقديم الطعام والمكان الآمن. فهي تشمل الرعاية البيطرية المنتظمة، واللقاحات، والوقاية من الطفيليات، والتخلص السليم من الفضلات، واحترام الحياة البرية."
وتؤكد البيانات كلامها بوضوح، خصوصًا عندما يتعلق الأمر باللقاحات. فداء الكلب لا يزال مرضًا يمكن الوقاية منه إلى حد شبه كامل، ومع ذلك ما زال يتسبب بوفاة عشرات الآلاف من الأشخاص حول العالم سنويًا، وغالبيتهم العظمى نتيجة عضات الكلاب.
وعندما نفذت فرق الصحة العامة في مقاطعة موشي في تنزانيا حملة تلقيح جماعية منسقة شملت نحو 30 ألف كلب وقط في أكثر من 150 قرية، ووصلت إلى قرابة ثلاثة أرباع الحيوانات الأليفة في المنطقة، جاءت النتائج واضحة: لم تُسجل أي حالة داء كلب لدى الإنسان أو الحيوان في الأشهر التالية. وهذا يثبت عمليًا أن اللقاح الروتيني، حين يُطبّق على مستوى المجتمع، يُعد من أكثر الأدوات فعالية وكلفةً مناسبة في مواجهة مرض يكاد يكون قاتلًا دائمًا بعد ظهور أعراضه.
رسالة تستحق أن تتكرر
لا يسعى مقال ميليا إلى تقديم حلول نهائية للتحديات المعقدة المرتبطة بالأمراض الحيوانية المنشأ، أو إدارة الحيوانات الشاردة، أو حماية البيئة. بل يقدّم أمرًا لا يقل أهمية: سببًا شخصيًا وصادقًا يدفع شابة إلى الاهتمام بهذه القضايا، واختيار مسار مهني تأمل من خلاله أن تسهم في إحداث أثر إيجابي.
رسالة اليوم العالمي للأمراض الحيوانية المنشأ بسيطة وواضحة: صحة الحيوانات الشاردة في شوارعنا، ونظافة أحيائنا، ورفاهنا الصحي ليست قصصًا منفصلة، بل هي القصة نفسها تُروى من زوايا مختلفة. إن الإصغاء إلى ما تخبرنا به الحيوانات، عبر الأطباء البيطريين، وعبر البحث العلمي، وأحيانًا من خلال نظرة صامتة فقط، قد يكون من أقوى أدوات الصحة العامة المتاحة لنا.