
العالم - اعتمدت الحكومات لعقود طويلة على الناتج المحلي الإجمالي (GDP) باعتباره المقياس الرئيسي للنجاح الاقتصادي. إلا أن هذا المؤشر لم يُصمم أساساً لقياس الجوانب الأوسع المتعلقة برفاه الإنسان أو العدالة الاجتماعية أو الاستدامة البيئية أو قدرة المجتمعات على الصمود أمام الأزمات.
ونتيجة لذلك، يمكن أن يتزامن النمو الاقتصادي مع اتساع فجوات عدم المساواة، وتدهور النتائج الصحية، وتفاقم الأضرار البيئية. وقد سلطت المناقشات التي شهدها المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة (HLPF) التابع للأمم المتحدة لعام 2026 الضوء على تزايد القناعة بأن اعتماد مقاييس جديدة للتقدم أصبح ضرورة لمواجهة التحديات العالمية المعاصرة بصورة أكثر فعالية.
أطر متكاملة لإعادة تعريف التقدم الاقتصادي
تمثل مبادرتان دوليتان حديثتان خطوة مهمة نحو إعادة صياغة مفهوم الحوكمة الاقتصادية. فقد اقترح تقرير فريق الخبراء رفيع المستوى التابع للأمم المتحدة بعنوان "ما بعد الناتج المحلي الإجمالي" (Beyond GDP) إطاراً متعدد الأبعاد يدمج مؤشرات الرفاه والاستدامة والقدرة على الصمود والعدالة ضمن أنظمة القياس الوطنية. كما يدعو التقرير إلى إدماج هذه المؤشرات في عمليات إعداد الموازنات وصنع السياسات، بدلاً من التعامل معها كمجرد بيانات إضافية.
وفي السياق ذاته، تؤكد المسودة الاستراتيجية لمنظمة الصحة العالمية "اقتصاديات الصحة للجميع" (Economics of Health for All) أن الصحة والرفاه يجب أن يكونا من الأهداف الأساسية للسياسات الاقتصادية. وبدلاً من اعتبار الصحة نتيجة ثانوية للنمو الاقتصادي، تشدد الاستراتيجية على الدور المباشر للضرائب والتجارة وأسواق العمل والسياسات الصناعية في تحسين النتائج الصحية للسكان.
وتسعى هذه الأطر مجتمعة إلى تحقيق انسجام أكبر بين أساليب قياس التقدم، وتصميم السياسات العامة، وآليات تخصيص الموارد.
ردم الفجوة بين القياس وصنع السياسات
تكمن إحدى أهم نقاط قوة هذه المبادرات في إدراكها أن تغيير المؤشرات وحده لا يكفي لإحداث تحول حقيقي. فقد أسفرت محاولات سابقة لتجاوز الناتج المحلي الإجمالي عن تطوير لوحات قياس ومؤشرات جديدة، لكنها لم تنجح في التأثير بشكل ملموس على عملية اتخاذ القرار.
ولا يزال الناتج المحلي الإجمالي يحتفظ بمكانة مهيمنة داخل المؤسسات المالية الدولية، وتقييمات الجدارة الائتمانية، وقرارات الاستثمار، وحتى الخطاب العام. ولذلك يدعو تقرير "ما بعد الناتج المحلي الإجمالي" إلى إدراج مؤشرات أوسع ضمن معايير الإقراض وتحليل الديون التي تعتمدها المؤسسات المالية الدولية.
في المقابل، تشجع منظمة الصحة العالمية على اعتماد نهج حكومي شامل يعزز التعاون بين وزارات المالية والهيئات الصحية والقطاع الخاص، بما يساهم في تجاوز الانقسام التقليدي بين إصلاح أدوات القياس وإصلاح السياسات الاقتصادية.
تداعيات على التنمية والصحة العالميتين
يحمل التقارب بين هذين المسارين دلالات مهمة بالنسبة للتعاون الدولي. فلطالما تطورت سياسات الصحة العامة والتنمية الاقتصادية في مسارات منفصلة، رغم الاعتراف المتزايد بأن الصحة تشكل محركاً أساسياً للتنمية المستدامة.
ويبرز تفشي فيروس إيبولا مؤخراً في جمهورية الكونغو الديمقراطية مثالاً واضحاً على كيفية تفاعل الأنظمة الصحية الضعيفة مع الضغوط الاقتصادية وضعف التنسيق الدولي، بما يؤدي إلى تفاقم الأزمات.
ومن خلال ربط النتائج الصحية بأهداف التنمية الشاملة، يمكن لهذه الأطر أن تعيد تشكيل آليات تمويل التنمية، وإدارة المخاطر، وتمويل السلع العامة العالمية مثل الاستقرار المناخي والبنية التحتية والأمن الصحي. كما أكدت مناقشات المنتدى السياسي رفيع المستوى (HLPF) أن سد فجوات التعاون والتنفيذ لا يقل أهمية عن معالجة فجوات التمويل.
نحو تحول في الحوكمة العالمية
يشير التقارب المتزايد بين أجندة الأمم المتحدة "ما بعد الناتج المحلي الإجمالي" واستراتيجية منظمة الصحة العالمية "اقتصاديات الصحة للجميع" إلى إمكانية حدوث تحول جوهري في الحوكمة العالمية.
فلم يعد تجاوز الناتج المحلي الإجمالي يقتصر على تطوير أدوات قياس جديدة، بل أصبح يتعلق بإعادة تنظيم الأنظمة الاقتصادية حول قيم الرفاه والاستدامة والعدالة. وإذا ما جرى تطبيق هذه الأطر بنجاح، فإنها قد تمهد الطريق أمام جيل جديد من اقتصادات الرفاه التي تضع احتياجات الإنسان وسلامة الكوكب في صميم عملية صنع القرار.

