
الأمم المتحدة، نيويورك – كشف تقرير جديد صادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) أن تراجع معدلات الولادات حول العالم لا يعني بالضرورة تراجع رغبة الشباب في الزواج، أو إقامة علاقات شراكة، أو إنجاب الأطفال.
ويستند التقرير، الذي يحمل عنوان "الحياة والخيارات والمستقبل: ما الذي يريده الشباب وما الذي يؤثر في قراراتهم بشأن العلاقات والأبوة والأمومة"، إلى مسح المستقبل الديموغرافي لعام 2026، وهو من أكبر الدراسات العالمية التي تبحث في تطلعات الشباب. وقد جمع المسح آراء 108,926 شاباً وشابة متصلين بالإنترنت تتراوح أعمارهم بين 18 و39 عاماً في 73 دولة وإقليماً.
ويكشف التقرير عن فجوة متزايدة بين ما يريده الشباب لمستقبلهم وبين ما يستطيعون تحقيقه فعلياً بسبب الضغوط الاقتصادية، ولا سيما ارتفاع تكاليف السكن، وانعدام الاستقرار المالي، وعدم استقرار فرص العمل.
الأمن الاقتصادي في صدارة أولويات الشباب
بحسب المسح، يُعد الأمن الاقتصادي والصحة الجسدية من أهم أهداف الحياة لدى الشباب، إذ اعتبر 90% من المشاركين أن كلاً منهما يمثل أولوية أساسية.
كما تبقى الحياة الأسرية هدفاً مهماً، حيث قال 73% من الشباب إن وجود شريك وتكوين أسرة وإنجاب الأطفال أمور مهمة بالنسبة إلى خططهم المستقبلية.
لكن الشباب يواجهون مخاوف متزايدة بشأن المستقبل. فقد جاءت النزاعات والمخاطر الأمنية، وانعدام الاستقرار الاقتصادي، وعدم المساواة ضمن أبرز المخاوف عالمياً، حيث وصفها أكثر من ثلاثة أرباع المشاركين بأنها مصدر قلق.
ورغم هذه التحديات، قال 66% من المشاركين إنهم يشعرون بالتفاؤل تجاه المستقبل، مع وجود اختلافات كبيرة بين المناطق.
العوائق المالية تؤخر تكوين العلاقات
أظهر المسح أن الزواج لا يزال هدفاً مهماً لدى العديد من الشباب. إذ قال أكثر من 70% من المشاركين إن مسار العلاقة المثالي بالنسبة لهم يتضمن الزواج، سواء بشكل مباشر (36%) أو بعد فترة من العيش المشترك (34%).
لكن الظروف المالية تؤثر على قدرة الشباب على بناء علاقات مستقرة.
فمن بين الأشخاص العازبين الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و39 عاماً ويرغبون في الارتباط، يبقى 25% منهم عازبين وغير منخرطين في علاقات عاطفية. وتظهر هذه الفجوة بشكل أكبر لدى الرجال، إذ أفاد 30% من الرجال بأنهم عازبون رغم رغبتهم في وجود شريك، مقارنة بـ 19% من النساء.
وأشار المسح إلى أن الأمن المالي هو العامل الأهم لتكوين شراكة، حيث اعتبره 81% من المشاركين شرطاً أساسياً.
كما قال 57% من الشباب إن الصعوبات الاقتصادية وارتفاع تكاليف السكن تشكل العائق الرئيسي أمام الزواج أو العيش المشترك.
الشباب يريدون الأطفال لكنهم يواجهون عوائق
يتحدى التقرير فكرة أن الشباب يختارون ببساطة عدم إنجاب الأطفال.
ففي معظم المناطق، لا يزال إنجاب طفلين يمثل حجم الأسرة المثالي عالمياً. لكن عدد الأطفال الفعلي غالباً ما يكون أقل من العدد الذي كان يرغب به الأفراد.
وقالت ديني كيتا، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والمديرة التنفيذية لصندوق الأمم المتحدة للسكان:
"السؤال ليس ما إذا كان الشباب يقدّرون هذه الأهداف في الحياة، بل ما إذا كانت لديهم الظروف لتحقيقها."
وأظهر المسح أن عدد الأطفال الفعلي لدى الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و39 عاماً أقل من العدد المثالي الذي كانوا يرغبون به في جميع المناطق التي شملتها الدراسة.
وفي المناطق ذات الدخل المرتفع، بما فيها أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية وأستراليا، لا يزال العديد من الأشخاص دون أطفال رغم رغبتهم في الإنجاب. ووجد التقرير أن 49% من الرجال و41% من النساء الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و39 عاماً ليس لديهم أطفال في هذه المناطق.
ومن بين الذين لا يملكون أطفالاً، قال كثيرون إن ذلك لم يكن خيارهم المفضل، إذ أفاد نحو 73% من الرجال و62% من النساء بأنهم كانوا يرغبون في إنجاب الأطفال لكنهم لم يتمكنوا من ذلك.
الوظائف المستقرة والسكن شروط أساسية للإنجاب
أظهر المسح أن الشباب يؤجلون قرار الإنجاب إلى حين توفر الاستقرار المالي والنفسي.
وكانت أبرز الشروط التي حددوها للشعور بالاستعداد لإنجاب الأطفال:
الأمن المالي (88%)
العمل المستقر (87%)
الاستعداد العاطفي (85%)
كما اعتبر 72% من المشاركين أن الصعوبات الاقتصادية والسكنية تمثل أكبر العوائق أمام الإنجاب.
صندوق الأمم المتحدة للسكان يدعو إلى سياسات داعمة للأسر الشابة
أكد صندوق الأمم المتحدة للسكان أن معالجة تراجع معدلات الولادات تتطلب من الحكومات النظر إلى ما هو أبعد من الأرقام الديموغرافية، والتركيز على الظروف اليومية التي يعيشها الشباب.
ودعا الصندوق إلى اعتماد سياسات تساعد الشباب على بناء الأسر التي يرغبون بها، بما يشمل:
توسيع الوصول إلى السكن بأسعار ميسّرة.
تعزيز خدمات رعاية الأطفال.
توفير إجازات أمومة وأبوة عادلة.
تعزيز ترتيبات العمل المرنة.
تقوية أنظمة الحماية الاجتماعية.
وشدد الصندوق على أن دعم الاستقرار الاقتصادي للشباب وتعزيز المساواة بين الجنسين يمكن أن يساعد المجتمعات على توفير الظروف التي تمكّن الأفراد من تحقيق أهدافهم الأسرية في الوقت الذي يختارونه.