
العالم - في 15 تموز من كل عام، يسلط اليوم العالمي لمهارات الشباب الضوء على المهارات والقدرات التي يحتاج إليها الشباب للمشاركة في الاقتصاد والإسهام في تشكيل مجتمعاتهم.
وفي عام 2026، يوسّع شعار "مهارات من أجل مستقبل مشترك" نطاق هذا النقاش، من خلال النظر إلى الشباب ليس فقط بوصفهم عمّال للمستقبل، بل أيضًا مواطنين فاعلين وقادرين على إحداث التغيير.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في لبنان. فقد أظهرت سنوات عدم الاستقرار الاقتصادي والنزاعات والضغوط المتزايدة على الخدمات العامة أن المجتمعات لا تعتمد على المؤسسات وحدها خلال الفترات الصعبة. بل تعتمد أيضًا على أفراد قادرين على التعرّف إلى المشكلات، والاستجابة لها بهدوء، وتبادل المعلومات الموثوقة، وتوجيه الآخرين نحو الدعم المناسب، والمساهمة في بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود.
وهنا يطرح سؤال مهم: هل يمنح لبنان مهارات الشباب الاهتمام الكافي لإعدادهم وتمكينهم؟
غالبًا ما تُناقش مهارات الشباب في إطار التوظيف وريادة الأعمال والتكنولوجيا والتدريب المهني. غير أن الأطر الدولية باتت تتبنى تعريفًا أوسع للمهارات اللازمة للمستقبل. وتؤكد استراتيجية منظمة العمل الدولية بشأن المهارات والتعلّم مدى الحياة ضرورة تمكين الأفراد من التكيّف مع التحولات الاقتصادية والرقمية والبيئية، بالتوازي مع تعزيز القدرة على الصمود والإدماج الاجتماعي.
وبالمثل، يحدّد تقرير «مستقبل الوظائف 2025» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي التفكير التحليلي، والإلمام بالتكنولوجيا، والمرونة، والقدرة على التكيّف، والتعلّم مدى الحياة، باعتبارها من المهارات التي ستزداد أهميتها خلال السنوات المقبلة.
ومن هذا المنظور الأوسع، لا ينبغي التعامل مع القدرة على تقييم المعلومات الصحية على الإنترنت، أو التعرّف إلى مؤشرات الضيق النفسي، أو معرفة كيفية الوصول إلى رعاية صحية ميسورة الكلفة، باعتبارها معارف ثانوية.
لا تقتصر الثقافة الصحية على القدرة على قراءة نشرة طبية. فمنظمة الصحة العالمية تعرّفها بأنها مجموعة المعارف والكفاءات التي يستخدمها الأفراد للوصول إلى المعلومات والخدمات الصحية وفهمها وتقييمها وتطبيقها. وعمليًا، قد يعني ذلك معرفة متى يستدعي أحد الأعراض تدخّلًا مهنيًا، أو التشكيك في الادعاءات المضللة المتداولة عبر الإنترنت، أو مساعدة أحد أفراد الأسرة على التعامل مع نظام صحي غير مألوف.
الثقافة الرقمية: مهارة أساسية في عصر المعلومات
في الدول العربية، بلغت نسبة استخدام الإنترنت بين الفئة العمرية من 15 إلى 24 عامًا نحو 86% في عام 2024، مقارنة بـ67% بين بقية السكان. لذلك، أصبحت الثقافة الرقمية ذات أهمية متزايدة.
يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية أن توسّع فرص الوصول إلى المعلومات والتعلّم والفرص المختلفة، لكنها قد تخلط أيضًا بين المحتوى الموثوق والإعلانات والمعلومات المضللة والآراء الشخصية. لذلك، يحتاج الشباب إلى مهارات التفكير النقدي التي تمكّنهم من تقييم الجهة التي أصدرت المعلومة، والأدلة التي تستند إليها، والغاية من نشرها، ومدى إمكانية الوثوق بها.
كما يساعد تعزيز الثقافة الرقمية الشباب على استخدام المساحات الإلكترونية بصورة أكثر أمانًا، وحماية خصوصيتهم، والمشاركة بمسؤولية أكبر في النقاشات العامة.
وتُعدّ الثقافة المرتبطة بالصحة النفسية مجالًا مهمًا آخر. فلا يحتاج الشاب إلى أن يكون اختصاصيًا نفسيًا كي يلاحظ أن أحد أصدقائه بدأ ينعزل، أو يواجه صعوبة، أو يتحدث بطريقة توحي بأنه بحاجة إلى المساعدة. ويمكن للشباب تعلّم كيفية الإصغاء من دون إصدار أحكام، وتجنّب التقليل من مشاعر الآخرين، وتشجيعهم على طلب الدعم المناسب.
وتؤكد الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية في لبنان أن تحسين الصحة النفسية يتطلب مشاركة مختلف فئات المجتمع، وأن لكل فرد دورًا يمكن أن يؤديه في تعزيز العافية النفسية وحمايتها.
كما أصبحت المهارات المرتبطة بالصحة البيئية أكثر أهمية. إذ ينبغي أن يكون الشباب قادرين على فهم تأثير الحرارة والمياه غير الآمنة وتلوث الهواء وسوء خدمات الصرف الصحي على الصحة. ولا تنفصل هذه المخاطر عن قضايا التنمية، فهي تؤثر في الحضور المدرسي، وإنفاق الأسر، والإنتاجية، والضغط الواقع على الخدمات الصحية.
كيف يساهم الشباب في تغيير مجتمعاتهم؟
بدأت بعض البرامج الشبابية في لبنان بالفعل بدمج التنمية الشخصية والرفاه والتوعية المناخية والمواطنة الفاعلة. وتشير اليونيسف في لبنان إلى أنها قدّمت تدريبات على المهارات الحياتية لعشرات الآلاف من المراهقين، إلى جانب أنشطة تتناول الصحة النفسية والرفاه والتغير المناخي.
وتُظهر هذه المبادرات أن الصحة وقابلية التوظيف لا ينبغي أن تُعاملا بوصفهما أولويتين متعارضتين. فمهارات التواصل والتعاطف واتخاذ القرار والقيادة المسؤولة يمكن أن تخدم الشباب في أماكن العمل وفي مجتمعاتهم على حد سواء.
كما يمكن أن يحقق تدريب الشباب ليكونوا حلقة وصل مجتمعية في مجال الصحة فوائد مهمة. ويتمثل دورهم في مشاركة المعلومات الدقيقة، والتعرّف إلى المؤشرات التحذيرية، وتشجيع الأفراد على طلب المساعدة في الوقت المناسب، وتوجيههم نحو الجهات والاختصاصيين المؤهلين.
كيف يمكن للبنان الاستثمار في مهارات الشباب؟
يمكن للمدارس والجامعات والبلديات ومنظمات المجتمع المدني الاستثمار في برامج تدريبية قصيرة وعملية لتنمية هذه المهارات، مع التركيز بصورة أساسية على الثقافة الصحية والرقمية، والثقافة المرتبطة بالصحة النفسية، والمخاطر الصحية الناتجة عن تغير المناخ، وكيفية الوصول إلى الخدمات من خلال مراكز الرعاية الصحية الأولية.
ومن المهم أيضًا أن يؤدي الشباب دورًا أساسيًا في تصميم هذه البرامج، لكي تستخدم اللغة المناسبة، وتعتمد المنصات الملائمة، وتعالج القضايا التي تعبّر عن واقعهم وتجاربهم الفعلية.
وفي اليوم العالمي لمهارات الشباب، ينبغي أن تتجاوز الرسالة إعداد الشباب لدخول سوق العمل. فلبنان يحتاج أيضًا إلى مواطنين شباب قادرين على اتخاذ قرارات واعية، والاستجابة للتحديات بمسؤولية، والإسهام بصورة فعلية في رفاه مجتمعاتهم.
مهارات الشباب كركيزة للتنمية الوطنية
ويمثل بناء هذه القدرات استثمارًا استراتيجيًا في التنمية الوطنية. فالشباب الذين يمتلكون مهارات التفكير النقدي والثقافة الرقمية والوعي الصحي والتواصل وحل المشكلات يكونون أكثر استعدادًا للمشاركة في الاقتصاد، والتكيّف مع التغيير، ودعم من حولهم.
وعلى مستوى المجتمع، يمكن لهذه المهارات أن تعزز التماسك الاجتماعي، وتحسّن تداول المعلومات الموثوقة، وتشجع على الوصول المبكر إلى الخدمات الصحية والاجتماعية المناسبة. أما على المستوى الوطني، فيمكن أن تسهم في بناء مجتمع أكثر صحة وإنتاجية وقدرة على الصمود.
لذلك، لا تقتصر أهمية المهارات الفردية على تطوير قدرات الأفراد فقط، بل تمثل جزءًا من البنية الاجتماعية للدولة، بما يعزز الصحة العامة والمشاركة الاقتصادية والقدرة الجماعية على الصمود في مختلف القطاعات.