
لبنان - على مدى ما يقارب ثلاثة عقود، دفعت أزمة الكهرباء في لبنان الأسر والمؤسسات إلى الاعتماد على المولدات الخاصة التي تعمل بالديزل لسدّ الفجوة الناتجة عن ضعف إمدادات الكهرباء العامة. وما كان يُفترض أن يكون حلاً مؤقتاً، تحوّل تدريجياً إلى عنصر أساسي لا غنى عنه في نظام الطاقة اللبناني.
بعد الانهيار الاقتصادي الذي شهده لبنان عام 2019، كانت مؤسسة كهرباء لبنان تؤمّن في عام 2022 ما لا يتجاوز ساعة أو ساعتين من الكهرباء يومياً، ما جعل المولدات الخاصة المصدر الرئيسي للكهرباء بالنسبة إلى شريحة واسعة من السكان.
ورغم أن المولدات التي تعمل بالديزل أصبحت ضرورية للحياة اليومية، فإنها تحولت أيضاً إلى تحدٍ بيئي وصحي عام غالباً ما يتم تجاهله. إذ يساهم قطاع الطاقة بنحو 55% من انبعاثات الغازات الدفيئة في لبنان، فيما أدى الاعتماد المتزايد على المولدات الخاصة إلى تفاقم تلوث الهواء، خصوصاً في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان.
الثمن غير المرئي
صوت المولدات أصبح مألوفاً في معظم الأحياء اللبنانية. لكن ما هو أقل وضوحاً هو الملوثات التي تطلقها يومياً في الهواء. إذ ينتج احتراق الديزل جسيمات دقيقة (PM₂.₅)، وأكاسيد النيتروجين (NOₓ)، وأول أكسيد الكربون (CO)، والهيدروكربونات، إضافة إلى الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
وتُعد الجسيمات الدقيقة من أخطر هذه الملوثات، نظراً لقدرتها على اختراق أعماق الرئتين وحتى الوصول إلى مجرى الدم، ما يزيد من مخاطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية، وسرطان الرئة، والوفيات المبكرة.
وإدراكاً للمخاطر الصحية المتزايدة المرتبطة بانبعاثات الديزل، أصدرت وزارة البيئة عام 2023 لوائح تلزم أصحاب المولدات الكبيرة التي تعمل بالديزل بتركيب فلاتر للجسيمات بهدف الحد من الانبعاثات الضارة.
ورغم أن هذه الخطوة تمثل تقدماً مهماً، إلا أنها لا ينبغي اعتبارها حلاً كاملاً. فالفلاتر تقلل بشكل كبير من انبعاثات الجسيمات الناتجة عن الديزل، لكنها لا تقضي على جميع الملوثات التي تطلقها المولدات، بما في ذلك أول أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين والهيدروكربونات.
الاقتصاد السياسي للمولدات الخاصة في لبنان
تقدّر أعداد المولدات التي تعمل بالديزل في لبنان بين 32 ألفاً و37 ألف مولد، موزعة بشكل رئيسي في المناطق الحضرية المكتظة.
وقد أسس أصحاب المولدات شبكات اقتصادية ونفوذاً محلياً معقداً يصعب تفكيكه أو إخضاعه للإصلاحات والرقابة، مع ارتباطات وثيقة ببعض السياسيين والمسؤولين البلديين والأجهزة الأمنية.
ويمارس أصحاب المولدات في كثير من الأحيان تأثيراً كبيراً على المستوى المحلي، حيث تشكل عملياتهم شبكات مترابطة داخل الأحياء، ما يجعلهم بمثابة "مافيا غير رسمية" تساهم في تعزيز نظام المحاصصة والزبائنية السياسية.
كما يقدم بعض أصحاب المولدات الكهرباء مجاناً للبلديات والمؤسسات الدينية ضمن مناطق نفوذهم، ما يعزز حضورهم وعلاقات الولاء المحلية. ويزداد نفوذهم من خلال سيطرتهم على شبكات الأحياء وقدرتهم على الضغط على السكان الذين يعارضون ممارساتهم.
إن اعتماد لبنان على المولدات الخاصة لا يعود فقط إلى أزمة الكهرباء المزمنة، بل أيضاً إلى اقتصاد سياسي سمح لهذه المولدات بأن تصبح جزءاً متجذراً من نظام الطاقة في البلاد.
وخلال العقود الثلاثة الماضية، انتقلت المولدات من حلول طارئة مؤقتة إلى شبكة كهرباء موازية تؤمّن الطاقة لمعظم الأسر، وتدعم قطاعاً اقتصادياً واسعاً يشمل استيراد الوقود، وتشغيل المولدات، وخدمات الصيانة.
كما أدى تداخل الكهرباء العامة، والمولدات الخاصة، والتقنيات المتجددة الناشئة مثل الألواح الشمسية إلى نشوء نظام طاقة "هجين"، تتنافس فيه مصالح اقتصادية متعددة، ما يجعل إصلاح قطاع الكهرباء وتطبيق القوانين البيئية أكثر صعوبة.
الطريق إلى الأمام
إن تجاوز اعتماد لبنان على المولدات التي تعمل بالديزل يتطلب أكثر من مجرد استبدال مصدر كهرباء بآخر؛ فهو يحتاج إلى بناء بيئة تمكّن الطاقة المتجددة من أن تصبح محركاً للتنمية الاقتصادية المستدامة.
وتتمتع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، التي تشكل نحو 95% من مؤسسات القطاع الخاص في لبنان وتعد مصدراً رئيسياً للتوظيف والنشاط الاقتصادي، بموقع يؤهلها لقيادة هذا التحول.
وتقترح ورقة السياسات الصادرة عن المركز اللبناني للدراسات السياسية عام 2024 بعنوان "إطار لامركزي لقطاع الكهرباء في لبنان" نموذجاً لقطاع كهرباء أكثر لامركزية، مع التركيز على دور الطاقة المتجددة الموزعة.
ومن خلال توفير خدمات تركيب أنظمة الطاقة الشمسية، وتخزين البطاريات، وتحسين كفاءة الطاقة، وتشغيل وصيانة الأنظمة، وغيرها من حلول الطاقة النظيفة، يمكن للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة تسريع انتشار الطاقة المتجددة اللامركزية، وتعزيز الابتكار، وتقوية سلاسل القيمة المحلية.
لكن تحقيق هذا التحول يتطلب دعماً سياسياً موجهاً، يشمل تحسين الوصول إلى التمويل الأخضر، وتعزيز التدريب التقني والمهني، ووضع إطار تنظيمي مستقر، وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
ومن شأن هذه الإجراءات أن تساعد المؤسسات على توسيع حلول الطاقة النظيفة، وخلق وظائف خضراء، وتحفيز النمو الاقتصادي المحلي.
كما ستساهم في تعزيز أمن الطاقة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، وخفض تكاليف التشغيل على الشركات، وزيادة قدرة الاقتصاد اللبناني على الصمود والمنافسة.
في نهاية المطاف، تمثل أزمة الكهرباء في لبنان فرصة لإعادة التفكير في مسار التنمية. فبدلاً من الإبقاء على اقتصاد قائم على المولدات الخاصة، يمكن لصانعي القرار تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من أن تصبح العمود الفقري لاقتصاد طاقة متجددة ولا مركزي، يجمع بين حماية البيئة، وتعزيز القدرة الاقتصادية، وتحسين الرفاه الاجتماعي.