
العالم - عندما يفكر الناس في الميراث، غالباً ما يتبادر إلى أذهانهم المال أو الممتلكات أو الشركات العائلية. لكن الأبحاث تشير إلى أن أحد أهم الأمور التي يرثها الأطفال هو شيء أقل وضوحاً بكثير: الفرص.
فالفرص المتاحة في المراحل المبكرة من الحياة، بما في ذلك الحصول على تعليم جيد، ورعاية صحية مناسبة، وتغذية سليمة، وبيئة منزلية مستقرة، يمكن أن ترسم ملامح مستقبل الإنسان قبل وقت طويل من دخوله سوق العمل.
وعندما تتوزع هذه الفرص بشكل غير متساوٍ بين الأجيال، فإنها قد تؤدي إلى ما يسميه الخبراء الفقر المتوارث بين الأجيال، وهي حلقة تستمر فيها أوجه الحرمان والضعف الاقتصادي بالانتقال من الآباء إلى الأبناء.
يتطلب كسر هذه الحلقة أكثر من مجرد سياسات تعالج الفقر بعد وقوعه. ففي حين تركز الحكومات غالباً على فرص العمل ودعم الدخل، تشير الأدلة المتزايدة إلى أن الاستثمارات في مرحلة الطفولة المبكرة، مثل التعليم والرعاية الصحية والتغذية ودعم الأسر، تُعد من أكثر الوسائل فاعلية لمنع انتقال الفقر إلى الجيل المقبل.
إعادة التفكير في مفهوم "الميراث"
عند الحديث عن الميراث، غالباً ما يتم قياسه من منظور مالي، مثل المدخرات أو الممتلكات أو الشركات. إلا أن العديد من الاقتصاديين باتوا يجادلون بشكل متزايد بأن شكلاً آخر من الميراث قد يكون له تأثير أكبر على مستقبل الفرد: الفرص المتاحة خلال مرحلة الطفولة.
ولا تقتصر هذه الفرص على دخل الأسرة، بل تشمل الوصول إلى تعليم عالي الجودة، والرعاية الصحية، والتغذية، إضافة إلى بيئات أسرية مستقرة ومجتمعات داعمة. وتشكل هذه العوامل مجتمعة رأس المال البشري، أي المعرفة والمهارات والصحة والقدرات التي تحدد قدرة الفرد على التعلم والعمل والمشاركة بشكل منتج في الاقتصاد.
وقد غيّرت هذه الفكرة الطريقة التي ينظر بها العديد من الاقتصاديين إلى الفقر. فبدلاً من اعتبار سياسات الطفولة مجرد برامج اجتماعية، باتوا يرون فيها بشكل متزايد استثمارات اقتصادية طويلة الأمد.
ومن أبرز الأصوات في هذا المجال الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل James Heckman، الذي أظهرت أبحاثه أن الاستثمارات التي تُجرى خلال السنوات الأولى من حياة الإنسان تحقق بعضاً من أعلى العوائد الاقتصادية مقارنة بالعديد من السياسات العامة الأخرى.
وقد أكدت دراساته حول HighScope Perry Preschool Program، وهي أطول دراسة تجريبية مستمرة حول برنامج للتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة استهدف أطفالاً من أصول أفريقية أمريكية من خلفيات محرومة، الفوائد الاقتصادية الكبيرة لبرامج التعليم قبل المدرسي.
ووفقاً للدراسة، حققت التدخلات خلال مرحلة الطفولة عوائد اجتماعية سنوية تتراوح بين نحو 7 و10 بالمئة، وهي نسبة مماثلة أو تفوق متوسط العوائد طويلة الأمد للاستثمارات في الأسهم.
فكل دولار تم استثماره ولّد أكثر من سبعة دولارات من الفوائد الاجتماعية والاقتصادية طويلة الأجل. كما حقق المشاركون مستويات تعليمية أعلى ودخولاً أكبر، إلى جانب انخفاض معدلات الجريمة والاعتماد على المساعدات الاجتماعية والبطالة في مراحل لاحقة من حياتهم.
ولم تقتصر الفوائد الاقتصادية على الأفراد فقط، إذ ساهمت هذه البرامج في خفض الإنفاق العام على العدالة الجنائية والرعاية الصحية والمساعدات الاجتماعية، في الوقت الذي عززت فيه الإيرادات الضريبية من خلال زيادة الدخول على مدار الحياة.
والخلاصة الأساسية هي أن الاستثمار في الطفولة المبكرة لا يحسن نتائج الأفراد فحسب، بل يساهم أيضاً في تقليل الطلب المستقبلي على الخدمات العامة، وتعزيز قوة العمل المستقبلية، ما يخلق مساحة مالية يمكن للحكومات توجيهها نحو استثمارات إنتاجية أخرى، مثل البنية التحتية والابتكار والتنمية الاقتصادية.
عدم تكافؤ الفرص والفقر المتوارث بين الأجيال
إذا كانت الفرص خلال مرحلة الطفولة تلعب دوراً كبيراً في تشكيل النتائج المستقبلية، فإن السؤال المهم الذي يطرح نفسه هو: ماذا يحدث عندما لا تكون هذه الفرص متاحة للجميع بشكل متساوٍ؟
غالباً ما يعتمد الوصول إلى التعليم الجيد والرعاية الصحية والتغذية والسكن الآمن والبيئات الأسرية الداعمة على عوامل خارجة عن سيطرة الطفل، مثل دخل الأسرة، والموقع الجغرافي، والمستوى التعليمي للوالدين. ورغم أن هذه العوامل لا تحدد مستقبل الإنسان بشكل حتمي، فإنها تؤثر بشكل كبير على الفرص المتاحة له طوال حياته.
وهنا تبرز أهمية مفهوم الفقر المتوارث بين الأجيال، الذي يشير إلى استمرار الفقر عبر أجيال متعاقبة، حيث يؤدي عدم تكافؤ الوصول إلى الفرص إلى زيادة احتمال مواجهة الأطفال الذين يولدون في أسر محرومة تحديات اقتصادية مشابهة عندما يصبحون بالغين.
بمعنى آخر، لا تكمن المشكلة فقط في تفاوت مستويات الدخل، بل في تفاوت نقاط البداية. فالأطفال الذين يبدأون حياتهم بدعم أفضل يكونون أكثر قدرة على تطوير المهارات واغتنام الفرص التي تحسن آفاقهم الاقتصادية مستقبلاً.
لذلك، فإن كسر دائرة الفقر يتطلب أكثر من مجرد رفع مستويات الدخل، بل يتطلب أيضاً توسيع نطاق الفرص منذ المراحل الأولى من الحياة.
كسر الحلقة: دروس للبنان
الفقر المتوارث بين الأجيال ليس أمراً حتمياً، وقد أظهرت عدة دول أن توسيع الفرص في مراحل الحياة المبكرة يمكن أن يحسن النتائج على المدى الطويل.
فقد جمع برنامج بولسا فاميليا (Bolsa Família) في البرازيل بين تقديم الدعم المالي للأسر ذات الدخل المنخفض وشروط مرتبطة بحضور الأطفال إلى المدارس والحصول على الرعاية الصحية. وفي إحدى مراحله، وصل البرنامج إلى أكثر من 50 مليون شخص ضمن 13 مليون أسرة، ما أظهر كيف يمكن للحماية الاجتماعية أن تخفف الصعوبات المباشرة، وفي الوقت نفسه تستثمر في تنمية الأطفال.
أما رواندا، فقد ركزت على توسيع الوصول إلى الرعاية الصحية من خلال التأمين الصحي المجتمعي، ما ساعد على رفع نسبة التغطية إلى نحو 90 بالمئة من السكان، بما في ذلك تقديم دعم للأسر ذات الدخل المنخفض.
ومنذ إطلاقها عام 2005، موّلت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH) في المغرب آلاف المشاريع المجتمعية في مجالات التعليم والرعاية الصحية والتنمية المحلية، ما ساهم في انخفاض كبير في معدلات الفقر في المناطق الريفية وتحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية. وقد وصف البنك الدولي المبادرة بأنها تحول نحو معالجة الفقر من خلال الاستثمار في التنمية البشرية.
أما بالنسبة للبنان، فإن معالجة هذه القضية لا تعني بالضرورة إطلاق برامج ضخمة جديدة، بل يمكن أن تبدأ من خلال حماية وصول الأطفال إلى الخدمات التي يعتمدون عليها أساساً.
فعقب النزاع الأخير، أظهر تقييم وطني قادته وزارة التربية والتعليم العالي وجود 340 مدرسة متضررة أو مدمرة، ما عرّض ما لا يقل عن 100 ألف طفل لخطر فقدان العام الدراسي المقبل في حال عدم إجراء عمليات إعادة تأهيل عاجلة.
واستجابة لذلك، أطلقت الوزارة، بالتعاون مع اليونيسف وشركاء دوليين، جهوداً لتقييم الأضرار وإعادة تأهيل المدارس المتضررة ودعم استمرارية التعليم في المناطق المتأثرة بالنزاع. وتمثل هذه الجهود خطوة مهمة لضمان ألا تؤدي تحديات اليوم إلى الحد من فرص الغد.
وتشير الأدلة إلى درس مشترك: إن توسيع الفرص خلال مرحلة الطفولة ليس مجرد برنامج اجتماعي، بل هو استثمار طويل الأمد في التنمية البشرية يعزز رأس المال البشري، ويدعم القدرة على الصمود الاقتصادي، ويضع الأساس لنمو أكثر استدامة.
فكسر دائرة الفقر المتوارث بين الأجيال يتطلب أكثر من تحسين الدخل فقط. إنه يحتاج إلى تكامل التعليم والرعاية الصحية والتغذية والدعم الاجتماعي، بما يمنح كل طفل فرصة أكثر عدلاً لتحقيق كامل إمكاناته.