
لبنان - تُصمَّم المساعدات الإنسانية عادةً للاستجابة لأزمة طارئة، مثل النزاعات أو الكوارث الطبيعية أو تفشّي الأمراض أو موجات النزوح المفاجئة. لكن كثيراً من الأزمات لم يعد له نهاية واضحة، إذ تواجه دول عديدة حول العالم منذ سنوات أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية متداخلة. وفي ظل هذه الظروف، باتت المساعدات المؤقتة تدعم بصورة متزايدة خدمات يعتمد عليها الناس بشكل دائم، من الرعاية الصحية والتعليم إلى المياه والمساعدات النقدية.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل تستطيع المساعدات الإنسانية الاستمرار في تلبية الاحتياجات العاجلة، وفي الوقت نفسه تعزيز منظومات الخدمات العامة المسؤولة عن تلبية هذه الاحتياجات على المدى الطويل؟
تواجه المساعدات الإنسانية ضغوطاً متزايدة، فالاحتياجات آخذة في الارتفاع، في حين يتراجع التمويل المتاح. فقد انخفض التمويل الإنساني العالمي المُعلَن عنه بنحو 20% في عام 2025، بينما شهد التمويل الذي يصل إلى الجهات المحلية والوطنية تراجعاً أكبر.
في الوقت نفسه، أصبحت الأزمات الممتدة تستحوذ على الجزء الأكبر من نداءات التمويل الإنساني. ففي عام 2024، شكّلت هذه الأزمات 91% من التمويل المطلوب ضمن النداءات المشتركة بين الوكالات، مقارنةً بـ29% عام 2014، وفقاً لمؤسسة مبادرات التنمية.
تكشف هذه الأرقام عن تناقض واضح: منح قصيرة الأجل تُستخدم لتمويل خدمات يحتاج إليها الناس على مدى سنوات. فقد تجد المنظمات نفسها مضطرة إلى تجديد الأنشطة ذاتها باستمرار، وتوظيف العاملين بعقود مؤقتة، وإنشاء أنظمة منفصلة لتحديد المستفيدين وتوزيع المساعدات وتلقّي الشكاوى. ورغم أهمية هذه الآليات خلال حالات الطوارئ، فإنها نادراً ما توفّر أساساً مستداماً للخدمات العامة.
عندما تكون المؤسسات العامة ضعيفة أو تعمل بأكثر من قدرتها، قد يبدو تجاوزها في البداية خياراً أسرع. فالمنظمات الإنسانية تستطيع شراء المستلزمات وتوظيف العاملين والوصول إلى المجتمعات من دون الاعتماد على إجراءات إدارية بطيئة. وفي الأزمات الحادة، يمكن لهذه المرونة أن تنقذ الأرواح.
لكن استمرار الخدمات الموازية لسنوات قد يؤدي إلى مشكلات إضافية. فقد حذّرت مراجعة مدعومة من منظمة الصحة العالمية للاستجابات الصحية الإنسانية في الشرق الأوسط من أن وجود هياكل منفصلة لإدارة الخدمات الصحية لدى الجهات الحكومية والإنسانية قد يضعف التنسيق ويؤدي إلى تفاوت في النفوذ والقدرة على اتخاذ القرار.
كما تشير إرشادات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشأن ربط المساعدات النقدية الإنسانية بالأنظمة الوطنية إلى أن تعدّد البرامج والوزارات واختلاف آليات تحديد المستفيدين قد يجعل التنسيق وتحليل البيانات والمساءلة أكثر صعوبة.
وقد يحتفظ كل برنامج بقوائمه الخاصة للمستفيدين، ومعايير الاستحقاق، وآليات الدفع، وإجراءات تقديم الشكاوى. وهذا قد يصعّب تنسيق المساعدات ويمنع المؤسسات العامة من تكوين صورة شاملة عمّن يتلقّى الدعم. لذلك، يدعو إطار منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي للربط بين العمل الإنساني والتنمية والسلام إلى تعزيز التنسيق والحد من تشتّت الجهود الإنسانية والتنموية.
ولا يعني ذلك أن المساعدات الإنسانية هي التي تسبّب ضعف المؤسسات. ففي كثير من الأحيان، تمنع المساعدات الدولية انهيار خدمات تعاني أساساً من الهشاشة. لكن المشكلة تكمن في أن الدعم المُدار من الخارج قد يضمن استمرار الوصول إلى الخدمات مؤقتاً، من دون أن يوفّر التمويل والموظفين وأنظمة المعلومات والمسؤوليات المؤسسية اللازمة لاستمرارها بعد انتهاء المشروع.
لا يعني تعزيز المنظومات العامة ببساطة تحويل ميزانيات المساعدات الإنسانية إلى الحكومات المركزية. ففي البلدان التي تعاني مؤسساتها من الفساد أو التدخل السياسي أو ضعف القدرات، قد يؤدي التمويل غير المشروط إلى مخاطر إضافية. وبدلاً من ذلك، تدعو توصية منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي إلى دعم القدرات الوطنية والمحلية بما يتناسب مع ظروف كل بلد، إلى جانب تعزيز المساءلة وتوفير تمويل مرن ومتوقّع يمتد لعدة سنوات.
يمكن للمساعدات أن تعزّز وظائف عامة محددة من دون منح الدولة السيطرة الكاملة على البرامج. فقد يدعم أحد البرامج الصحية مراكز الرعاية الصحية الأولية، أو يطوّر أنظمة مشتركة للمعلومات، أو يدرّب موظفين يمكن دمجهم لاحقاً في القطاع العام. كما يمكن لبرامج المساعدات النقدية أن تسهم في إنشاء سجل اجتماعي موحّد، بدلاً من إعداد قائمة جديدة للمستفيدين مع كل أزمة.
ووفقاً لـالبنك الدولي، تحتاج أنظمة الحماية القادرة على الاستجابة للأزمات إلى سجلات شاملة، إلى جانب آليات موثوقة للتسجيل وتقديم المساعدات ودفعها.
ويجب النظر إلى تعزيز المنظومات العامة باعتباره مساراً تدريجياً. إذ توصي المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بمواءمة المساعدات الإنسانية تدريجياً مع البرامج الوطنية حيثما تسمح الظروف، مع الاستمرار في تقديم دعم إضافي عندما لا تستطيع الحكومات تلبية احتياجات النازحين واللاجئين بصورة كاملة.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة في لبنان، حيث قد يتعرّض اللاجئون وغير المواطنين للاستبعاد إذا جرى تعزيز الأنظمة الوطنية من دون وضع تدابير واضحة لحمايتهم وضمان وصولهم إلى الخدمات.
الهدف هو أن يترك كل تدخل رئيسي أثراً يمكن الاستفادة منه، مثل موظفين مدرَّبين، وإجراءات أفضل، وبنية تحتية فعّالة، وبيانات موثوقة، ومساءلة أقوى أمام الناس. وفي الوقت نفسه، تبقى عمليات التدقيق المستقلة، والشراء الشفاف، وضمان حماية اللاجئين والمهاجرين والفئات المهمّشة عناصر أساسية في هذا المسار.
يوضّح لبنان أهمية المساعدات الإنسانية وحدودها في الوقت نفسه. إذ تقدّر خطة الاستجابة للبنان لعام 2026 أن نحو 2.99 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة، وتسعى إلى جمع 1.62 مليار دولار للوصول إلى 1.5 مليون شخص.
ويُقدَّم الدعم الدولي بالفعل من خلال أجزاء من البنية العامة للخدمات في البلاد. ففي عام 2025، ساعدت التدخلات المدعومة من اليونيسف أكثر من 600 ألف شخص على الحصول على خدمات مراكز الرعاية الصحية الأولية، ومكّنت أكثر من 154 ألف طفل من الالتحاق بالتعليم الرسمي، وساهمت في تحسين الوصول إلى المياه لنحو 4.5 ملايين شخص.
وتبيّن هذه التدخلات أن المساعدات الإنسانية لا تحلّ بالكامل محل الدولة، بل تساعد في كثير من الأحيان المدارس الرسمية والمراكز الصحية ومؤسسات المياه والبلديات على مواصلة عملها. ومع ذلك، لا تزال قدرة العديد من هذه الجهات على الاستمرار مرتبطة بالتمويل الخارجي. وإذا توقّفت المساعدات بصورة مفاجئة، فقد تتراجع الخدمات التي تدعمها بدورها.
لذلك، لا يتمثّل السؤال المطروح أمام لبنان في ما إذا كان ينبغي للمنظمات الإنسانية الانسحاب، بل في ما إذا كان من الممكن توجيه استثماراتها تدريجياً نحو تعزيز مؤسسات قادرة على تقديم خدمات أكثر استقراراً وعدالة.
لا يبدأ لبنان من الصفر. فقد يوفّر توحيد برامج المساعدات النقدية ضمن برنامج «أمان»، إلى جانب تطوير السجل الاجتماعي «دعم» واعتماد الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية، أسساً لبناء نظام وطني أكثر تنسيقاً. لكن هذه المبادرات لا تزال تعتمد إلى حد كبير على الشركاء الدوليين، ولذلك ينبغي النظر إليها باعتبارها خطوات انتقالية، لا إصلاحات مكتملة.
يتطلّب الانتقال التدريجي أن يوفّر المانحون تمويلاً أكثر استقراراً يمتد لعدة سنوات، وأن يحدّد كل برنامج الوظيفة العامة الدائمة التي سيسهم في تعزيزها. ويمكن للمؤسسات العامة أن تزيد مساهمتها تدريجياً من خلال الموازنات الوطنية، مع إبقاء النتائج والإنفاق خاضعين لمراقبة مستقلة. كما ينبغي منح البلديات والمنظمات المحلية أدواراً أوضح وقدرة أكبر على الوصول المباشر إلى الموارد.
وفي الوقت نفسه، ستظل الوكالات الإنسانية بحاجة إلى قنوات مستقلة لتقديم المساعدات عندما تعجز السلطات العامة عن الاستجابة في الوقت المناسب أو من دون تمييز. ولا ينبغي أن يؤدي تعزيز الأنظمة الوطنية تحت أي ظرف إلى استبعاد اللاجئين أو الفئات المهمّشة سياسياً.
لا تستطيع المساعدات الإنسانية وحدها حل الأزمات المؤسسية والمالية التي يواجهها لبنان. لكنها تستطيع تحديد ما إذا كانت كل دورة تمويل ستترك وراءها مشروعاً مؤقتاً جديداً، أم أساساً أقوى للاستجابة للأزمة المقبلة. ولا ينبغي أن يقتصر الهدف على تمرير المساعدات «عبر الحكومة»، بل يجب أن يتمثّل في بناء خدمات خاضعة للمساءلة أمام الناس، وقابلة للاستمرار على المستوى الوطني، وقادرة على مواصلة عملها بعد تراجع التمويل الدولي.