
لبنان - توفّر مسارات المشي في لبنان أكثر من مجرد مناظر طبيعية خلابة. فهي تمر عبر غابات الأرز والوديان العميقة والمناظر الزراعية التقليدية والمواقع التاريخية، كاشفةً مدى الترابط الوثيق بين البيئة الطبيعية في البلاد وتراثها الثقافي.
وتحتضن هذه المناظر الطبيعية أيضاً تنوعاً بيولوجياً غنياً ونظمًا بيئية تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة تغير المناخ والتوسع العمراني والحرائق وغيرها من أشكال التأثير البشري. ومن هنا، يمكن أن يشكّل المشي في الطبيعة وسيلة ليس فقط لاستكشاف لبنان، بل أيضاً لفهم القيمة البيئية والثقافية للمواقع التي تتم زيارتها بشكل أفضل.
في ما يلي أربعة وجهات للمشي في الطبيعة تجمع بين هذين البعدين بصورة لافتة.
يمتد وادي قاديشا في شمال لبنان تحت جبل المكمل، وهو معروف خصوصاً بأدياره المبنية على المنحدرات الصخرية الشاهقة. إلا أن أهميته الثقافية تترافق مع نظام بيئي استثنائي في تنوعه.
أُدرج الوادي وغابة أرز الرب القريبة منه على قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 1998. وتغطي منطقة وادي قاديشا نحو 1,710 هكتارات، فيما تقع أرز الرب على ارتفاع يقارب 1,900 متر فوق سطح البحر.
ومن الناحية البيئية، يضم الوادي عدة نطاقات نباتية تتشكل تبعاً للارتفاع، بما في ذلك موائل البلوط والأرز والتنوب والعرعر. وأظهر تقييم بيئي للبنك الدولي وجود 912 نوعاً من النباتات في منطقة قاديشا، تمثل نحو 32% من النباتات الموجودة في لبنان، إلى جانب تنوع غني من الأنواع الحيوانية.
ويعيش هذا التنوع البيولوجي إلى جانب قرون من التاريخ البشري. فالأديرة والكهوف والمحابس والمدرجات الزراعية تكشف كيف تكيفت المجتمعات مع البيئة الجبلية الصعبة للوادي، وحولتها إلى مشهد ثقافي حي.
في محمية جبل موسى للمحيط الحيوي، غالباً ما يوجد التنوع البيولوجي والتاريخ على المسار نفسه.
وقد صُنّف جبل موسى محمية للمحيط الحيوي تابعة لليونسكو عام 2009، وتمتد المحمية على نحو 6,500 هكتار، وتتراوح ارتفاعاتها بين نحو 350 و1,700 متر. وتوفر تضاريسها شديدة الانحدار وغاباتها المتوسطية وأنهارها وتكويناتها الكلسية عدة موائل ضمن مساحة جغرافية متراصة نسبياً.
وتسجل اليونسكو وجود 727 نوعاً من النباتات في المحمية، من بينها 26 نوعاً مستوطناً في لبنان وستة أنواع مستوطنة. كما توفر الغابات والأحراج المتوسطية والمناطق الزراعية موائل للحياة البرية، بما في ذلك الوبر الصخري.
لكن المتنزهين يواجهون أيضاً طبقة أخرى من تاريخ الجبل. فالمسارات تمر عبر أدراج ونقوش رومانية مرتبطة بالإمبراطور هادريان، وبقايا أثرية ومدرجات زراعية تقليدية وأنظمة مياه قديمة وآثار مستوطنات سابقة.
ومن هذا المنطلق، يجسد جبل موسى بصورة واضحة المبدأ الذي تقوم عليه محميات المحيط الحيوي: إذ يمكن أن تسير حماية البيئة جنباً إلى جنب مع الحفاظ على التراث والثقافة، ودعم سبل العيش المحلية وتنمية المجتمعات.
قلّما ترتبط النظم البيئية بالهوية الثقافية للبنان ارتباطاً وثيقاً بارتباط غابات الأرز بها.
تمتد محمية الشوف للمحيط الحيوي على نحو 50 ألف هكتار، أي ما يقارب 5% من مساحة لبنان. ويضم المشهد الطبيعي فيها غابات الأرز، وأحراج البلوط، والمناطق الزراعية، والقرى، إضافة إلى مستنقع عميق، ما يجعلها واحدة من أكثر المناطق المحمية تنوعاً من الناحية البيئية في البلاد.
وبحسب المحمية، تضم المنطقة نحو 1,054 نوعاً من النباتات وأكثر من 275 نوعاً مسجلاً من الطيور. كما تحمي نحو 620 هكتاراً من غابات الأرز اللبناني.
وبالنسبة إلى المتنزهين، يعني ذلك السير في مشهد تتداخل فيه باستمرار عناصر التنوع البيولوجي والحفاظ على البيئة والحياة الريفية. وتربط المسارات بين الغابات والقرى والبساتين والينابيع والأراضي الزراعية.
وتجسد شجرة الأرز هذا الترابط بصورة خاصة. فهي في الوقت نفسه نوع حي، وعنصر أساسي في النظام البيئي الجبلي، وأحد أكثر الرموز الثقافية والوطنية رسوخاً في لبنان.
على ارتفاعات تتراوح بين نحو 1,200 و2,000 متر، تحمي محمية حرج إهدن الطبيعية واحداً من أغنى النظم البيئية الجبلية في لبنان.
وعلى الرغم من مساحتها الصغيرة نسبياً، تسجل المحمية أكثر من 1,030 نوعاً من النباتات، و39 نوعاً من الأشجار، ونحو 168 نوعاً من الطيور، وأكثر من 60 نوعاً من الفراشات.
ولا تقتصر أهميتها البيئية على عدد الأنواع الموجودة فيها. فحرج إهدن يمثل الحد الجنوبي الطبيعي لشجرة التنوب الكيليقية، ويضم تجمعات غابية محمية مهمة ونادرة في لبنان.
وتلتقي غابات الأرز والتنوب والعرعر والأشجار عريضة الأوراق عبر الارتفاعات المتغيرة، ما يخلق موائل متنوعة ضمن مساحة جغرافية محدودة. ويجعل هذا التركّز في الأنواع المحمية مهمة الحرج بشكل خاص في حماية التنوع البيولوجي المحلي والمهدد في لبنان.
كما يعزز قربها من بلدة إهدن التاريخية سمة متكررة في المشاهد الطبيعية اللبنانية، وهي الترابط الوثيق بين التراث الطبيعي والمستوطنات والتقاليد والمجتمعات التي تشكلت هوياتها في ظل الجبال المحيطة بها.
تُظهر هذه الوجهات الأربع مجتمعة أن مسارات المشي في لبنان تتجاوز كونها مجرد أماكن للترفيه. فهي تعبر غابات غنية بالتنوع البيولوجي، ونظمًا بيئية جبلية، ومواقع تاريخية، وأماكن تختزن ذاكرة جماعية.
ويمكن للالتزام بالمسارات المخصصة، وتجنب إشعال الحرائق ورمي النفايات، واحترام الحياة البرية والمواقع الأثرية، والاستعانة بالمرشدين المحليين حيثما أمكن، ودعم المجتمعات المحيطة، أن يساعد في ضمان مساهمة السياحة في جهود الحفاظ على البيئة، بدلاً من أن تتحول إلى مصدر إضافي للضغط عليها.
قد تستغرق رحلة المشي بضع ساعات فقط. لكن الغابات والوديان والمشاهد الثقافية التي نعبرها تشكلت على مدى قرون، وحمايتها تحدد ما ستظل الأجيال المقبلة قادرة على السير فيه.