
لبنان – يفتح رصد الأقمار الصناعية المعزز بالذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة لتتبع شح المياه وتدهور الأراضي والمخاطر المناخية. لكن قيمته ستعتمد على مدى إدماج البيانات البيئية في عملية صنع القرار العام.
نادراً ما يحدث التغير البيئي في موقع واحد أو وفق جدول زمني واضح. فقد يفقد خزان مائي كميات من مياهه على مدى عدة مواسم، وقد تزداد النباتات جفافاً تدريجياً قبل اندلاع حريق، فيما يمكن أن تختفي الأراضي الزراعية أو الطبيعية تدريجياً تحت التوسع العمراني.
ولا تزال أساليب الرصد التقليدية، من خلال الزيارات الميدانية ومحطات القياس وأجهزة الاستشعار والفحوص المخبرية، ضرورية. إلا أنها قد تكون مكلفة ومحدودة بمواقع محددة، كما أنها عرضة لأعطال المعدات ونقص التمويل أو صعوبة الوصول إلى بعض المناطق. وفي لبنان، تتفاقم هذه الضغوط بفعل التشرذم المؤسساتي والأزمة الاقتصادية والصراعات.
وتوفر صور الأقمار الصناعية، عند دمجها مع الذكاء الاصطناعي، رؤية أوسع. فهي تساعد العلماء على مراقبة مساحات كبيرة بشكل متكرر، ومقارنة الظروف الحالية ببيانات تاريخية تمتد لعقود، وتحديد التغيرات التي تستدعي مزيداً من التحقيق على الأرض.
كيف تتحول صورة القمر الصناعي إلى بيانات بيئية؟
تجمع أقمار رصد الأرض معلومات تتجاوز ما يمكن رؤيته في صورة فوتوغرافية عادية. فالمياه والنباتات والتربة الجافة والأراضي المحروقة والمباني تعكس الضوء بطرق مختلفة، ما ينتج إشارات مميزة داخل صور الأقمار الصناعية.
ويمكن تدريب نماذج التعلم الآلي على التعرف إلى هذه الإشارات. إذ تستطيع فصل المسطحات المائية عن اليابسة، والتمييز بين النباتات السليمة والمحاصيل المجهدة، ورسم خرائط للمناطق المتضررة من الحرائق، أو رصد التغيرات في الغابات والسواحل والتوسع العمراني.
وتصبح هذه التكنولوجيا مفيدة بشكل خاص عندما يتعين مقارنة آلاف الصور. فبدلاً من فحص كل صورة يدوياً، يمكن للباحثين استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد الأنماط على مدى سنوات أو عقود، وتحويلها إلى تقديرات وخرائط وإنذارات.
لكن هذا لا يعني أن الخوارزمية تفهم المشكلة البيئية تلقائياً. إذ يجب تدريب النماذج باستخدام معلومات موثوقة، واختبارها في ظروف حقيقية، وتفسير نتائجها من قبل متخصصين. لذلك، تكون مراقبة الأقمار الصناعية أكثر فاعلية عندما تكمل القياسات الميدانية، وليس عندما تحاول استبدالها.
لماذا يحتاج لبنان إلى رؤية أوسع؟
يمتلك لبنان بالفعل خبرة في استخدام بيانات الأقمار الصناعية لرصد التغيرات البيئية. فقد قاد المركز الوطني للاستشعار عن بُعد في المجلس الوطني للبحوث العلمية – لبنان (CNRS-L) عدداً من المشاريع التي تغطي الأراضي والمياه والزراعة والنظم البيئية.
وتشمل الأعمال الحديثة خريطة وطنية عالية الدقة لتغطية الأراضي، أُنجزت بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي بين عامي 2022 و2024، ونمذجة المحاصيل والتبخر-نتح بالاعتماد على الأقمار الصناعية من خلال المختبر الصيني-اللبناني المشترك، إضافة إلى مشروع مدعوم من منظمة الأغذية والزراعة (FAO) لرسم خرائط المحاصيل والمناطق المعرضة لخطر مرض Xylella fastidiosa الذي يصيب النباتات.
وتشمل أولويات المركز للفترة 2025-2030 استخدام الذكاء الاصطناعي الجغرافي (GeoAI) لرصد تغير استخدامات الأراضي، وتوسيع نطاق مراقبة الغطاء النباتي ورطوبة التربة وشذوذات درجات الحرارة، وتطوير منصة وطنية تجمع بين بيانات الأقمار الصناعية والمناخ والبيانات الميدانية.
وتظهر هذه التطبيقات كيف يمكن لرصد الأرض أن يوفر صورة أوسع ومحدثة بشكل منتظم عن الظروف البيئية، مع مساعدة الباحثين على تحديد المناطق التي تحتاج إلى تحقيق أكثر تفصيلاً.
القرعون يوضح ما يمكن تحقيقه
تُظهر دراسة حديثة حول بحيرة القرعون كيف يمكن تطبيق هذه الأدوات في لبنان.
فقد جمع باحثون من الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اللبنانية والمجلس الوطني للبحوث العلمية – لبنان أكثر من 50 عاماً من صور الأقمار الصناعية من برنامجي Landsat وSentinel، إلى جانب معلومات حول شكل حوض البحيرة.
ودُرّب نموذج للتعلم الآلي لتقدير حجم المياه في الخزان استناداً إلى مساحة المياه الظاهرة في كل صورة.
وتطابقت الطريقة مع الملاحظات التي تم التحقق منها على أكثر من 95% من خط الشاطئ، فيما تمكن النموذج من تفسير أكثر من 98% من التغير في كمية المياه المخزنة. كما بقي هامش الخطأ المقدر أقل من 1.5% من السعة الكاملة للخزان.
كما التقط السجل طويل الأمد حجم التراجع الأخير في منسوب المياه. ففي يوليو 2025، قُدرت كمية المياه في القرعون بـ49.2 مليون متر مكعب، أي بانخفاض نسبته 66% مقارنة بيوليو 2024 و56% مقارنة بيوليو 2023. ووصف الباحثون النتيجة بأنها مؤشر ناشئ على الجفاف.
ولا يمثل ذلك إنجازاً تقنياً فحسب. إذ يمكن للتقديرات المنتظمة لمخزون الخزان أن تدعم الاستعداد للجفاف، والتخطيط للري، والقرارات المتعلقة بتخزين المياه والطاقة الكهرومائية. كما أنشأ الباحثون لوحة معلومات تفاعلية لتسهيل وصول الجهات المعنية إلى السجل طويل الأمد وتحليله.
ومع ذلك، توضح الدراسة أيضاً حدود مراقبة الأقمار الصناعية. فقد تستطيع الأقمار الصناعية إظهار أن منسوب خزان ما يتراجع، لكنها لا تستطيع بمفردها تحديد جميع الملوثات الموجودة في المياه. لذلك تبقى التحاليل المخبرية وأخذ العينات الميدانية وعمليات التفتيش ضرورية لتحديد المخاطر البيئية والصحية العامة.
من الخرائط إلى القرارات
في مختلف أنحاء المنطقة، بدأت الحكومات والمؤسسات البحثية بالانتقال من مجرد إنتاج الخرائط البيئية إلى تطوير أدوات تدعم الإدارة اليومية للموارد.
وفي مايو 2026، حصل العراق على أداة مراقبة قائمة على نظام WaPOR التابع لمنظمة الأغذية والزراعة، تستخدم بيانات الأقمار الصناعية لتقييم أداء الري، وعجز مياه المحاصيل، وإنتاجية المياه، واحتمال وجود عمليات سحب غير قانونية للمياه. ويوفر نظام WaPOR قاعدة بيانات متاحة للجمهور وشبه آنية تغطي استخدام المياه في الزراعة في أفريقيا والشرق الأدنى.
وفي الوقت نفسه، تجمع مبادرة e-ReWater MENA النشطة بين الذكاء الاصطناعي ورصد الأرض وتحليل البيانات لرسم خرائط توافر مياه الصرف الصحي وإمكانات إعادة استخدامها في مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة. وتهدف المنصة إلى توفير معلومات جاهزة لدعم قرارات صانعي السياسات والمستثمرين، كما تستند جزئياً إلى تقييمات سابقة لإمكانات إعادة استخدام المياه في لبنان.
وتشير هذه الأمثلة إلى الفرصة الحقيقية أمام لبنان. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في اكتشاف أن خزاناً مائياً يتراجع، أو أن الأراضي الزراعية تعاني من الإجهاد، أو أن الغطاء الحرجي تعرض للضرر.
ويمكن لهذه التكنولوجيا أن تمنح لبنان رؤية أوضح وأكثر استمرارية لبيئته. لكن ما إذا كانت هذه الرؤية ستسهم فعلاً في تحسين الحوكمة البيئية، سيعتمد في النهاية على ما يحدث بعد وصول البيانات إلى أرض الواقع.