
العالم - أعلن مقطع فيديو قصير (Reel) نشرته مبادرة ساعة المناخ أن العدّ التنازلي انخفض مؤخرًا إلى أقل من عامين للوصول إلى هدف الحفاظ على ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2030.
فماذا يمثّل هذا العدّ التنازلي؟
إن فهم ساعة المناخ يتطلّب النظر إلى ما وراء الأرقام، لفهم الأسس العلمية التي تستند إليها، والوقوف على الوضع الحالي للعالم، واستيعاب ما تعنيه هذه التطورات بالنسبة للدول التي بدأت بالفعل تشهد آثار تغيّر المناخ، بما في ذلك لبنان.
لوحة مؤشرات السيناريو المناخي: الانبعاثات ودرجات الحرارة والخسائر والأضرار
ساعة المناخ
تُعدّ ساعة المناخ أداة علمية تدعو إلى التحرّك لمواجهة حالة الطوارئ المناخية، ويتمثّل هدفها الأساسي في توضيح ما ينبغي القيام به لمعالجة أزمة المناخ. وتُعرض الساعة في ساحة وان يونيون سكوير ساوث بمدينة نيويورك.
وتعتمد الساعة على تتبّعٍ لحظي يبيّن الوقت المتبقي قبل استنفاد الميزانية الكربونية العالمية اللازمة لحصر الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية، في حال استمرت انبعاثات غازات الدفيئة بالمعدلات الحالية.
وعلى عكس الساعات التقليدية، فإن ساعة المناخ لا تقيس الزمن بحد ذاته، بل تقدّر سرعة استهلاك البشرية لما تبقّى من الميزانية الكربونية، أي كمية ثاني أكسيد الكربون التي لا يزال بالإمكان إطلاقها مع الحفاظ على فرصة معقولة لإبقاء الاحترار العالمي دون عتبة 1.5 درجة مئوية المحددة في اتفاق باريس والمقيّمة من قبل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC).
ساعة المناخ في ساحة يونيون سكوير بنيويورك
انخفاض ساعة المناخ إلى أقل من ثلاث سنوات: ماذا يعني ذلك فعليًا؟
يعكس الانخفاض الأخير في ساعة المناخ إلى أقل من ثلاث سنوات التراجع السريع في الميزانية الكربونية المتبقية المتاحة للحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية.
وبالتالي، فإن الرسالة التي تضمنها الفيديو الأخير، والتي تشير إلى أن أمامنا أقل من ثلاث سنوات لتحقيق الهدف، لا ينبغي تفسيرها على أنها توقع بأن العالم لم يعد أمامه سوى ثلاث سنوات قبل وقوع كارثة مناخية.
بل إنها تعبّر عن الوتيرة التي تستهلك بها البشرية الميزانية الكربونية المتبقية في ظل المستويات الحالية لانبعاثات غازات الدفيئة. وبعبارة أخرى، إذا استمرت الانبعاثات بالمعدلات الحالية، فقد تُستنفد الميزانية الكربونية المرتبطة بهدف 1.5 درجة مئوية خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وتزداد الأدلة العلمية الداعمة لهذا التحذير قوةً يومًا بعد يوم. فبحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، ارتفع متوسط درجة حرارة الأرض بالفعل بنحو 1.3 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، ما يقرّب العالم بشكل خطير من عتبة 1.5 درجة مئوية المنصوص عليها في اتفاق باريس.
وفي الوقت نفسه، تواصل تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي تسجيل مستويات قياسية جديدة، مدفوعة بشكل رئيسي بحرق الوقود الأحفوري، وإزالة الغابات، وممارسات استخدام الأراضي غير المستدامة.
ورغم أن معظم دول العالم اعتمدت التزامات مناخية في إطار اتفاق باريس، فإن التقدم المحرز لا يزال أقل بكثير من المستوى المطلوب لتحقيق الأهداف المنشودة. ويخلص برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) إلى أن السياسات الوطنية الحالية والمساهمات المحددة وطنيًا (NDCs) لا تزال غير كافية لتحقيق هدف 1.5 درجة مئوية.
ومن دون تخفيضات أكبر وأكثر صرامة في الانبعاثات خلال هذا العقد، يُتوقع أن يتجاوز العالم هذه العتبة ويواجه مخاطر مناخية أكثر خطورة.
ومع ذلك، يؤكد العلماء أن تجاوز مستوى 1.5 درجة مئوية لا يشكّل نقطة لا عودة مفاجئة، ولا يعني أن العمل المناخي أصبح بلا جدوى. فكل جزء من الدرجة المئوية يتم تجنّب ارتفاعه يمكن أن يسهم بشكل كبير في الحد من تكرار وشدة الظواهر الجوية المتطرفة، وفقدان التنوع البيولوجي، وانعدام الأمن الغذائي، والآثار الصحية السلبية.
ومن هذا المنطلق، لا تمثل ساعة المناخ عدًا تنازليًا نحو الفشل، بل تذكيرًا بأن القرارات التي ستُتخذ خلال السنوات القليلة المقبلة ستحدد حجم التأثيرات المناخية التي سيعيشها العالم لعقود قادمة.
ماذا يعني العدّ التنازلي المناخي بالنسبة للبنان؟
في حين تعكس ساعة المناخ تحديًا عالميًا، فإن تداعياته أصبحت ملموسة بالفعل في لبنان. فقد شهد البلد خلال السنوات الأخيرة موجات حر أكثر تكرارًا وشدة، مع تجاوز درجات الحرارة لمعدلاتها الموسمية بشكل متكرر، وازدياد فترات الحر الشديد وطول مدتها.
ولم يكن هذا الصيف استثناءً، إذ شهد لبنان عدة موجات حر ترافقت مع درجات حرارة ورطوبة مرتفعة للغاية، ما زاد من مخاطر الإجهاد الحراري، ورفع الطلب على الكهرباء، وعزّز احتمالات اندلاع حرائق الغابات في العديد من المناطق.
ولا تُعد هذه الأحداث مجرد ظواهر جوية عابرة أو استثنائية، بل تتماشى مع الاتجاهات المناخية الأوسع نطاقًا التي يشهدها شرق البحر المتوسط، وهي منطقة صنّفتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC) باعتبارها من أكثر المناطق عرضة لتأثيرات تغيّر المناخ.
ومن المتوقع أن تصبح درجات الحرارة المرتفعة، وتراجع الموارد المائية، وفترات الجفاف الطويلة، والظواهر الجوية المتطرفة أكثر شيوعًا مع تفاقم الاحترار العالمي.
وبالنسبة للبنان، فإن هذه التغيرات تتجاوز مجرد صيف أكثر حرارة. فارتفاع درجات الحرارة يفرض ضغوطًا إضافية على الموارد المائية المحدودة أصلًا، ويؤثر سلبًا في الإنتاج الزراعي، ويزيد من احتمالات حرائق الغابات، كما يرفع المخاطر الصحية، لا سيما بالنسبة لكبار السن والعاملين في الهواء الطلق والفئات الأكثر هشاشة.
كما أن هذه التحديات تفاقم المشكلات القائمة المرتبطة بأمن الطاقة، إذ يؤدي الطلب المتزايد على التبريد إلى زيادة الضغط على قطاع كهربائي يعاني أصلًا من الهشاشة.
تحويل التحذير إلى عمل
قد تمثل ساعة المناخ عدًا تنازليًا عالميًا، إلا أن تداعياتها أصبحت أكثر محلية من أي وقت مضى. وبالنسبة للبنان، لم يعد السؤال ما إذا كان تغيّر المناخ سيؤثر على البلاد، بل إلى أي مدى هو مستعد للتكيّف مع مستقبل أكثر حرارة وأكثر عرضة للمخاطر المناخية.
إن ساعة المناخ ليست مجرد عدٍّ تنازلي، بل هي انعكاس للخيارات التي تواصل البشرية اتخاذها. ولا ينبغي تفسير انخفاضها الأخير إلى أقل من ثلاث سنوات على أنه توقع لفشل محتوم، بل باعتباره تذكيرًا صارخًا بأن نافذة الفرصة المتاحة للحد من أشد آثار تغيّر المناخ خطورة تضيق بسرعة.
وفي حين أن التحدي عالمي، فإن آثاره أصبحت محلية بشكل متزايد، كما يتضح من ارتفاع درجات الحرارة، وتكرار موجات الحر، وتزايد المخاطر المرتبطة بالمناخ التي تؤثر بالفعل على لبنان.
العلم واضح، والحلول معروفة. أما التحدي اليوم فلا يكمن في فهم المشكلة، بل في تسريع وتيرة التنفيذ. ويتعيّن على الحكومات تعزيز سياساتها المناخية والاستثمار في إجراءات التخفيف والتكيّف، كما يجب على الشركات تبنّي ممارسات أكثر استدامة، وعلى المجتمعات تعزيز قدرتها على الصمود في مواجهة المناخ المتغيّر.
إن ساعة المناخ لا تعدّ تنازليًا لنهاية العالم، بل للوقت المتاح لتجنّب أسوأ السيناريوهات الممكنة.
وسيتوقف ما إذا كانت الأجيال القادمة ستتذكرها باعتبارها تحذيرًا ألهم اتخاذ إجراءات حاسمة، أم كتذكير بالفرص الضائعة، ليس على الساعة نفسها، بل على القرارات التي نتخذها اليوم.