
لبنان - مع استعداد لبنان لمرحلة إعادة الإعمار، يتزايد الطلب على الحجر والرمل والإسمنت، ما يعيد إلى الواجهة الجدل المستمر حول أعمال المقالع وتأثيراتها البيئية.
يدخل لبنان مرحلة جديدة من إعادة الإعمار في وقت لا تزال فيه الأضرار الكاملة قيد التقييم. وقد أظهر تقييم الأضرار التي لحقت بالمباني (حتى 29 نيسان 2026) الذي أعدّه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والمجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS) في حزيران 2026، وجود نحو 3.1 ملايين متر مكعب من الركام في جنوب لبنان وحده.
ولم يشمل التقييم الأضرار التي لحقت بالطرقات والجسور وأنظمة المياه والبنى التحتية للكهرباء، كما لم يتضمّن الأضرار الناتجة بعد ذلك التاريخ، ما يشير الى أن الاحتياجات الفعلية لإعادة الإعمار أكبر بكثير.
وبات واضحًا أن إعادة بناء المنازل والقرى والبنى التحتية المتضررة ستتطلب كميات كبيرة من الإسمنت والحجر والرمل والمواد الركامية. وهذا يعيد طرح إشكالية قديمة: من أين ستأتي هذه المواد؟ وإلى أي حد يمكن أن تزيد مرحلة إعادة الإعمار الضغط على مقالع لبنان؟
توسّع أعمال المقالع
توسّعت رقعة المقالع في لبنان بشكل كبير خلال الفترة التي أعقبت الحرب الأهلية. وأظهرت دراسة صادرة عن المجلس الوطني للبحوث العلمية ،اعتمدت على صور الأقمار الصناعية، ارتفاع عدد المقالع من 784 موقعًا تغطي 2,897 هكتارًا عام 1989 إلى 1,278 موقعًا تغطي 5,267 هكتارًا عام 2005. وقد جرى جزء كبير من عمليات الاستخراج على أراضٍ ذات تربة زراعية منتجة.
وفي عام 2002، أقرّ لبنان المرسوم 8803 لتنظيم أعمال المقالع والكسارات، وإنشاء المجلس الوطني للمقالع، ووضع شروط الترخيص وإعادة التأهيل. إلا أن تقييمات لاحقة أشارت إلى استمرار التحديات المرتبطة بضعف تطبيق القوانين، ومنح أذونات مؤقتة، وترك العديد من المواقع من دون عمليات إعادة تأهيل.
وفي عام 2023، أظهر تقييم مشترك أعدّته وزارة البيئة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعمليات الاستخراج بين عامي 2007 و2018، استغلال 15.15 مليون متر مربع من الأراضي واستخراج 196.87 مليون متر مكعب من المواد، فيما قدّرت قيمة الرسوم والالتزامات المالية والبيئية وتكاليف إعادة التأهيل المستحقة بنحو 2.39 مليار دولار.
لماذا عاد ملف المقالع إلى الواجهة عام 2026؟
عاد الجدل حول ملف المقالع الى الواجهة في آذار 2026، بعدما أعلنت شركة الإسمنت الوطنية تعليق إنتاجها، مشيرة إلى أنها لم تعد قادرة على مواصلة العمل من دون الوصول إلى مقالعها. وربطت الشركة الإنتاج المحلي للإسمنت باحتياجات لبنان المستقبلية في التعافي وإعادة الإعمار.
وفي نيسان، اتخذ مجلس الوزراء قرارات تسمح لشركات الإسمنت بتشغيل المقالع بموجب أذونات لمدة عام واحد قابلة للتجديد حتى عشر سنوات. وأضافت لاحقاً شروطًا بيئية بعد اعتراضات من البلديات والجمعيات البيئية. كما تقدّم نائبان و"المفكرة القانونية" وعدد من الجهات في منطقة الكورة بطعون أمام مجلس شورى الدولة اعتراضاً على هذه القرارات.
وبقي الملف حاضرًا في تموز. اذ حدّدت وزارة الصناعة سعر بيع طن الإسمنت الأسود عند باب المصنع بسقف يبلغ 96 دولارًا للطن، وسمحت باستيراد الإسمنت من قبل الجهات المرخصة. كما أبلغ الوزراء مجلس النواب أن تراخيص المقالع ستخضع للمراجعة السنوية، وأن مراقبتها ستتم عبر السلطات العامة والممثلين المحليين وخبراء مستقلين. إلا أن مجموعات محلية في الكورة شككت في مدى تطبيق هذه الإجراءات على أرض الواقع.
وبالتالي، لا يقتصر النقاش على حاجة لبنان إلى الإسمنت من عدمها، بل يتعلق أيضًا بكيفية احتساب الطلب الناتج عن إعادة الإعمار، وتحديد المواقع المناسبة للاستخراج، وضمان مراقبة الشروط البيئية وتطبيقها، وتحقيق التوازن بين متطلبات إعادة البناء والإدارة المسؤولة والمستدامة للموارد الطبيعية في لبنان.
الأرض والمياه والصحة
لا تقتصر الآثار البيئية للمقالع على الحفر الناتج عن عمليات الاستخراج. فقد حدّد التقييم البيئي للبنك الدولي لعام 2025 وجود عمليات استخراج في 1,907 عقار، تؤثر بشكل مباشر على نحو 27 كيلومترًا مربعًا، وبشكل كبير على ما لا يقل عن 62 كيلومترًا مربعًا إضافيًا من الأراضي العشبية والغابات والأراضي الزراعية. وقدّر قيمة الأضرار البيئية المرتبطة بالمقالع بنحو 189 مليون دولار.
يمكن أن يؤدي إزالة الغطاء النباتي والتربة السطحية إلى زيادة التعرية وجريان المياه السطحية، وتجزئة النظم البيئية، وتراجع الإنتاجية الزراعية. كما يشكل التركيب الجيولوجي الكلسي في لبنان تحديًا اضافيا، إذ إن عمليات الاستخراج غير المنظمة وغياب إعادة التأهيل قد تؤدي إلىالحد من تغذية المياه الجوفية، وتعطيل تدفقها، وزيادة تسرب الملوثات. ومن جهة أخرى، تنتج عمليات التفجير والسحق وحركة الشاحنات الغبار والضوضاء.
وأظهرت دراسة علمية تناولت مجتمعات فلسطينية قريبة من المقالع وجود معدلات أعلى من الأعراض التنفسية ومؤشرات أكثر ضعفًا في وظائف الرئة لدى السكان المعرضين لهذه الانبعاثات. وأشار تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى عدم توفر متوسطات سنوية لجسيمات PM2.5 بحسب المناطق، ولذلك اعتمد تقديرًا وطنيًا في حساباته.
هل يمكن لإعادة الإعمار تقليل الحاجة إلى استخراج جديد؟
بدأ لبنان بتطوير خيار بديل يتمثّل في إعادة تدوير مخلفات البناء والهدم .ففي عام 2026، وافقت مؤسسة المقاييس والمواصفات اللبنانية على اعتماد المواصفة NL 841-1:2026، التي تسمح باستخدام المواد الركامية المعاد تدويرها من مخلفات البناء والهدم في إنشاء الطرق وأعمال الردم. ورغم أن الركام المعاد تدويره لا يمكن أن يحل مكان جميع مواد البناء، فإن الفرز المناسب والفحص وضبط الجودة قد يساعد في تقليل الطلب على المواد الركامية المستخرجة حديثًا في الاستخدامات المناسبة.
وتستكشف دول تواجه ضغوطًا مشابهة في إعادة الإعمار حلةلاً مماثلة. ففي سوريا، أفاد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تموز 2026 اعادة تدوير أكثر من 15 ألف متر مكعب من الركام وتحويلها إلى أكثر من 123 ألف قطعة بناء، شملت بلوكات وبلاط وحواجز أرصفة. واستخدمت هذه المواد لإعادة تأهيل 10 كيلومترات من الطرق، إلى جانبتوفير فرص عمل محلية.
ولا تلغي هذه المبادرات الحاجة إلى المقالع، لكنها تظهر أن إعادة الإعمار يمكن أن تبدأ بتقييم الركام الموجود وفرزه وإعادة استخدامه قبل اللجوء إلى استخراج كميات إضافية من الموارد الطبيعية.
وينسجم هذا النهج مع إطار "إعادة البناء بشكل أفضل" (Build Back Better)، الذي يعتبر مرحلة التعافي فرصة لتقليل المخاطر المستقبلية وعدم إعادة نقاط الضعف السابقة. ومن الناحية العملية، يعني ذلك الجمع بين استخدام المواد المعاد تدويرها، وإجراء تقييمات بيئية خاصة بكل موقع، واعتماد آليات مراقبة شفافة، والزام الجهات المستثمرة بخطط لإعادة التأهيل تموّل قبل بدء عمليات الاستخراج.