
العالم - يتجه العالم إلى تجاوز عتبة الاحترار العالمي البالغة 1.5 درجة مئوية خلال السنوات القليلة المقبلة، فيما حذّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) من أن تداعيات هذا التجاوز قد تتفاقم بسرعة ما لم تُسرّع الحكومات خفض الانبعاثات وتدابير التكيّف مع تغير المناخ.
وفي تقريره لعام 2026 بعنوان «الحد من تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية: التعامل مع تجاوزها ومسارات العودة إليها»، يقول برنامج الأمم المتحدة للبيئة إن الجهود العالمية لخفض انبعاثات غازات الدفيئة لم تكن سريعة بما يكفي لمنع العالم من تجاوز هدف درجات الحرارة طويل الأمد المنصوص عليه في اتفاق باريس.
إلا أن التقرير يشدد على أن تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية لا يعني فشل العمل المناخي أو أن مسار الاحترار المستقبلي أصبح محسومًا. وبدلًا من ذلك، يجب أن ينصب التركيز على الحد من مقدار ارتفاع درجات الحرارة فوق هذه العتبة، وتقليص المدة التي تبقى خلالها فوقها، وما إذا كان من الممكن في نهاية المطاف إعادة الاحترار العالمي إلى ما دون 1.5 درجة مئوية.
تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية بات مرجحًا
يقترب الاحترار العالمي الناجم عن الأنشطة البشرية حاليًا من 1.4 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة. وترتفع درجات الحرارة العالمية بنحو 0.25 درجة مئوية كل عقد، فيما قدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية احتمال تجاوز متوسط درجات الحرارة 1.5 درجة مئوية خلال الفترة 2026-2030 بنحو ثلاثة إلى أربعة.
ويقدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن نحو 130 مليار طن فقط من ثاني أكسيد الكربون يمكن إطلاقها اعتبارًا من عام 2026، مع الحفاظ على فرصة بنسبة 50% للحد من الاحترار عند 1.5 درجة مئوية. إلا أن الوقود الأحفوري وقطاع الصناعة وحدهما تسببا في انبعاث نحو 40 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون في عام 2024، ما يعني أن الميزانية المتبقية من انبعاثات الكربون قد تُستنفد خلال نحو ثلاث سنوات إذا استمر معدل الانبعاثات على هذا النحو.
وحتى في حال نفّذت الحكومات بالكامل خططها المناخية الوطنية الحالية والتزاماتها الإضافية بتحقيق صافي انبعاثات صفري، يقدّر التقرير أن الاحترار العالمي قد يبلغ ذروته عند نحو 1.8 درجة مئوية.
وبموجب السياسات الحالية، يُتوقع أن يصل متوسط الاحترار إلى نحو 2.6 درجة مئوية بحلول عام 2100، ضمن نطاق يتراوح بين 1.9 و3.6 درجة مئوية.
تجاوز العتبة يحمل مخاطر طويلة الأمد
يحذّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة من أن عالمًا يتجاوز فيه الاحترار 1.5 درجة مئوية لا يمكن اعتباره آمنًا. ومن المتوقع أن تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة المخاطر التي تهدد النظم البيئية وإمدادات الغذاء والمياه والبنية التحتية وصحة الإنسان.
ويشير التقرير إلى تسارع ارتفاع مستوى سطح البحر، وتفاقم موجات الحر وحرائق الغابات، وتسارع فقدان الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية، فضلًا عن تزايد الضغوط على الشعاب المرجانية وغيرها من النظم البيئية الهشة.
وقد شهد أكثر من 80% من الشعاب المرجانية الاستوائية أحداث ابيضاض بين عامي 2023 و2025، فيما سُجّلت عمليات ابيضاض جماعي للشعاب المرجانية في ما لا يقل عن 83 دولة وإقليمًا.
ومن دون تدابير فعالة للتكيّف، قد ينخفض الإنتاج الغذائي العالمي بنسبة تصل إلى 14% بحلول عام 2050، في حين يمكن أن تسهم درجات الحرارة المرتفعة في زيادة معدلات الإصابة بالأمراض والوفيات ومخاطر انتقال مسببات الأمراض من الحيوانات إلى البشر. ومن المتوقع أن تواجه المدن المنخفضة الارتفاع والدول الجزرية الصغيرة النامية تداعيات شديدة بشكل خاص.
العودة إلى ما دون 1.5 درجة مئوية لا تزال ممكنة
يقول برنامج الأمم المتحدة للبيئة إن عكس مسار الاحترار بعد تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية ممكن من الناحية النظرية، لكنه سيتطلب تحقيق انبعاثات عالمية سالبة صافية من ثاني أكسيد الكربون بشكل مستدام على مدى عقود إلى قرون، بالتوازي مع خفض كبير لانبعاثات الميثان.
وسيتطلب ذلك خفض انبعاثات غازات الدفيئة بسرعة، بالتزامن مع توسيع نطاق إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. إلا أن البرنامج يحذّر من أن تحقيق عمليات إزالة الكربون وخفض انبعاثات الميثان بالحجم المطلوب لا يزال غير مؤكد.
ويقسم التقرير الاستجابة المطلوبة إلى ثلاث مراحل متداخلة: اتخاذ إجراءات فورية لإبطاء الاحترار وحماية الفئات السكانية الأكثر عرضة للخطر؛ ومرحلة للتعامل مع تداعيات الاحترار والحد منها، تشمل تعزيز القدرة على الصمود وتسريع خفض الانبعاثات بعمق؛ ومرحلة طويلة الأمد تجمع بين مواصلة إجراءات التكيّف وتحقيق انبعاثات سالبة صافية من ثاني أكسيد الكربون.
كل جزء من الدرجة المئوية مهم
يشدد برنامج الأمم المتحدة للبيئة على أن تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية هو مسار متواصل وليس حدثًا واحدًا. وستعتمد تداعياته على مستوى ذروة درجات الحرارة التي سيتم بلوغها، والمدة التي تبقى خلالها درجات الحرارة فوق 1.5 درجة مئوية، وقدرة المجتمعات والنظم البيئية على التكيّف.
ويخلص التقرير إلى أنه لم يعد بالإمكان التعامل مع خفض الانبعاثات والتكيّف مع تغير المناخ باعتبارهما أولويتين منفصلتين أو متعاقبتين، بل يجب إحراز تقدم في كليهما في الوقت نفسه. وستحدد القرارات المتخذة اليوم مدى شدة تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية في نهاية المطاف، وما إذا كانت العودة إلى ما دون هذه العتبة ستظل ممكنة.