
بيروت - قد يفشل الحظر الشامل لوسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال في معالجة المخاطر التي يواجهها الشباب على الإنترنت، كما قد يخلق تهديدات جديدة للخصوصية وحرية التعبير والوصول إلى المعلومات، وفقًا لورقة سياسات جديدة صدرت في بيروت.
وصَدرت الورقة في أيلول/سبتمبر 2026 تحت عنوان «حماية الأطفال من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي: هل سياسات الحظر مجدية؟» عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت، بالشراكة مع SMEX.
وتبحث الورقة في ما إذا كان حظر وسائل التواصل الاجتماعي وأنظمة التحقق الإلزامي من العمر يشكلان استجابة قائمة على الأدلة ومتناسبة مع المخاطر التي يواجهها الأطفال على الإنترنت.
ونوقشت الورقة خلال حوار حول السياسات استضافه المركز العربي في بيروت في 3 أيلول/سبتمبر، بمشاركة مسؤولين حكوميين، ونواب، واختصاصيين في حماية الطفل، وخبراء في التكنولوجيا، وممثلين عن المجتمع المدني.
الأدلة لا تدعم الحظر الشامل
تخلص الورقة إلى أن الأبحاث الحالية لا تدعم الاستنتاج القائل إن وسائل التواصل الاجتماعي ضارة بالأطفال بطبيعتها، أو أن تقييد الوصول إليها وحده قادر على معالجة المخاطر التي يواجهونها.
ويستخدم الأطفال المنصات الرقمية لأغراض مختلفة، من بينها التعليم والإبداع والتواصل والوصول إلى المعلومات والتفاعل الاجتماعي. وتختلف آثار وسائل التواصل الاجتماعي بحسب عوامل عدة، تشمل نوعية المحتوى الذي يتعرض له الأطفال، وكيفية استخدامهم للمنصات، ومواطن الضعف الفردية لديهم، إلى جانب بيئاتهم الأسرية والاجتماعية.
وتستشهد الورقة بالجمعية الأميركية لعلم النفس، التي تقول إن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ليس مفيدًا أو ضارًا بطبيعته للشباب.
كما تسلط الضوء على أبحاث تظهر أن الأطفال والمراهقين قد يتفاعلون بشكل مختلف مع خصائص المنصات الرقمية، تبعًا لخصائصهم النفسية ومرحلة نموهم. ويمكن لخصائص مثل خوارزميات التوصية، والتمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي، والإشعارات التطفلية أن تؤثر في طريقة تفاعل المستخدمين الصغار مع الخدمات الرقمية.
وبناءً على ذلك، ترى الورقة أن على صانعي السياسات التركيز ليس فقط على من يمكنه الوصول إلى المنصات، بل أيضًا على كيفية تصميم هذه المنصات.
التحقق من العمر يثير مخاوف بشأن الخصوصية
يمثل التحقق الإلزامي من العمر مصدر قلق رئيسيًا آخر تحدده الورقة.
فقد تتطلب بعض أنظمة التحقق من المستخدمين تقديم وثائق هوية رسمية صادرة عن الحكومات أو معلومات بيومترية إلى المنصات أو شركات من أطراف ثالثة. وبحسب الورقة، يخلق ذلك مخاطر مرتبطة باختراق البيانات، وسرقة الهوية، والمراقبة، واحتمال إساءة استخدام المعلومات الشخصية أو إعادة استخدامها لأغراض أخرى.
وقد تكون هذه المخاطر أكثر أهمية في الدول العربية، حيث لا تزال أطر حماية البيانات والمؤسسات التنظيمية المستقلة محدودة.
كما تحذر الورقة من أن القيود المرتبطة بالعمر قد تطال البالغين أيضًا، وليس الأطفال فقط، إذ قد تتطلب أنظمة التحقق من أعداد كبيرة من المستخدمين الكشف عن معلوماتهم الشخصية. وقد تدفع هذه الأنظمة كذلك بعض الأشخاص إلى تجنب الوصول إلى معلومات قانونية بسبب مخاوف تتعلق بتحديد الهوية والمراقبة.
تحديات إضافية أمام لبنان
وتولي الورقة اهتمامًا خاصًا للبنان، مشيرة إلى أن البيئة القانونية والمؤسسية القائمة تفرض تحديات إضافية أمام تطبيق سياسات رقمية تقييدية.
ولا يمتلك لبنان حاليًا قانونًا شاملًا ومستقلًا لحماية الخصوصية. وتستند الحماية القائمة بصورة أساسية إلى تشريعات من بينها قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي رقم 81/2018، الذي لا يزال تطبيقه محدودًا.
وترى الورقة أن إدخال التحقق الإلزامي من العمر في مثل هذه البيئة قد يؤدي إلى زيادة مخاطر الخصوصية والأمن بدلًا من ضمان سلامة الأطفال بالضرورة.
كما تشير إلى محدودية القدرات التنظيمية في لبنان، والصعوبات المرتبطة بفرض عقوبات مباشرة على شركات التكنولوجيا العالمية الكبرى.
ما بعد الحظر
بدلًا من القيود الشاملة، توصي ورقة السياسات باتباع نهج متعدد المستويات يشمل الحكومات وشركات التكنولوجيا والمدارس وأولياء الأمور والأطفال أنفسهم.
ومن بين توصياتها تعزيز قوانين الخصوصية وحماية البيانات، وزيادة مساءلة المنصات، وإدراج تدابير سلامة الأطفال في المنتجات منذ مرحلة التصميم، وتعزيز برامج الدراية الرقمية والإعلامية، ودعم أولياء الأمور، وتطوير آليات أكثر فعالية للإبلاغ عن الإساءة عبر الإنترنت.
وترى الورقة أنه ينبغي إلزام المنصات بتوفير إعدادات افتراضية أكثر أمانًا، والحد من خصائص التصميم التي قد تؤدي إلى الاستخدام القهري، وتعزيز الشفافية بشأن أنظمة التوصية، وإجراء تقييمات مستقلة لتأثير خدماتها في حقوق الأطفال.
كما تدعو إلى تعزيز الحماية من التنمر الإلكتروني والاستغلال الجنسي والابتزاز عبر الإنترنت، إلى جانب توفير أنظمة إبلاغ سهلة الوصول وخدمات دعم للضحايا.
الأطفال أصحاب حقوق
وتشدد الورقة على أنه لا ينبغي التعامل مع الأطفال فقط باعتبارهم أفرادًا يحتاجون إلى الحماية، بل باعتبارهم أيضًا أصحاب حقوق، وينبغي أن تؤخذ آراؤهم في الاعتبار عند وضع السياسات التي تؤثر في حياتهم الرقمية.
وتحمي اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل حق الأطفال في حرية التعبير والوصول إلى المعلومات والخصوصية. لذلك، ترى الورقة أن أي قيود يجب أن تكون قانونية وضرورية ومتناسبة مع هدف مشروع.
وتخلص ورقة السياسات إلى عدم وجود حل واحد لضمان سلامة الأطفال على الإنترنت. وبدلًا من التعامل مع الحظر كحل سريع، تدعو إلى سياسات تسهم في بناء بيئة رقمية أكثر أمانًا وشفافية وخضوعًا للمساءلة، مع الحفاظ على حقوق الأطفال.
وخلال حوار السياسات الذي عُقد في 3 أيلول/سبتمبر، دعا المشاركون أيضًا إلى إشراك الأطفال بصورة أكبر في النقاش، وحذروا من إمكانية الالتفاف على الحظر باستخدام أدوات مثل شبكات VPN.