
صيدا - نظمت مؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة ورشة عمل لمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية اللبنانية، جمعت 65 شاباً وشابة من صيدا والمناطق المجاورة لمناقشة رؤية طويلة الأمد للبنان بوصفه "جمهورية ذكية".
وأقيمت الورشة في مقر أكاديمية الدولة الوطنية في صيدا تحت عنوان "نحو إعلان الجمهورية الذكية: مئوية الجمهورية 1926-2026-2126"، ونظمها "منتدى شباب نهوض لبنان" التابع للمؤسسة.
وحضر الفعالية السيدة بهية الحريري، نائبة رئيسة مؤسسة الحريري، والرئيس الأسبق لبلدية صيدا المهندس محمد السعودي، ومديرة المؤسسة الدكتورة روبينا أبو زينب.
السيدة الحريري تدعو إلى "أبجدية" جديدة
افتتحت الورشة بالنشيد الوطني اللبناني، تلاه عرض فيديو تناول التحولات السياسية والعالمية التي شهدها لبنان والعالم على مدى المئة عام الماضية.
وقالت السيدة الحريري إن المبادرة تأتي استكمالاً لإحياء المئوية الدستورية للبنان في 23 أيار 2026، وفي وقت باتت فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يؤثران بشكل متزايد في الحياة اليومية والمؤسسات وصنع القرار.
واعتبرت أن لبنان بحاجة إلى تطوير «أبجدية جديدة» لمواكبة هذه التحولات، في إشارة إلى الارتباط التاريخي للبنان بتطور الأبجديات.
وقالت: «لبنان الذي حمل الأبجدية الأولى إلى العالم من شواطئ صور وجبيل، قادر اليوم على أن يكون شريكاً في صياغة الأبجدية الجديدة».
وأشارت إلى أن ثروة لبنان الأساسية تكمن في شعبه ومعارفه، ولا سيما شبابه وطاقاته المنتشرة في الاغتراب، التي يمكن أن تسهم في مستقبل البلاد.
التكنولوجيا "في خدمة الإنسان"
وقالت السيدة الحريري إن الجمهورية الذكية لا ينبغي أن تسعى إلى استبدال الإنسان بالآلة أو المواطن بالذكاء الاصطناعي.
وأضافت أن التكنولوجيا يجب أن تجعل المعرفة أكثر قرباً من المواطن، والمبادئ الدستورية أكثر وضوحاً، والمؤسسات أكثر شفافية، والمشاركة المدنية أكثر قدرة على الوصول إلى الأجيال الشابة.
وقالت: «لقد مرّ قرن من الزمان على التجربة الدستورية اللبنانية، وربما يكون السؤال في بداية القرن الثاني: كيف نبني جمهورية تعرف مواطنيها ويعرفها مواطنوها؟».
ودعت أعضاء المنتدى إلى تحويل مفهوم «الجمهورية الذكية» إلى مشروع، ومن ثم إلى نموذج لبناني تكون فيه التكنولوجيا في خدمة الإنسان، والمعرفة في خدمة المواطنة، والذكاء في خدمة الجمهورية.
دروس من قرن من التجربة
استعرضت الورشة المئة عام الأولى من عمر الجمهورية اللبنانية، متتبعة التطور السياسي والمؤسساتي للبلاد منذ مرحلة الانتداب الفرنسي وتأسيس الدولة اللبنانية بين عامي 1920 و1943، مروراً بالاستقلال والحرب الأهلية وإعادة الإعمار والوصاية السورية.
كما تناولت التحولات السياسية التي أعقبت ثورة الأرز عام 2005، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تصاعدت منذ عام 2019، وصولاً إلى مرحلة الصراع والتعافي حتى عام 2026.
وشكّل هذا الاستعراض نقطة انطلاق لطرح سؤال أوسع حول شكل الجمهورية اللبنانية في قرنها الثاني، والدروس التي ينبغي استخلاصها من المئة عام الماضية لتوجيه مستقبلها.
رؤية للمئة عام المقبلة
طرحت الورشة مفهوم "الجمهورية الذكية" كرؤية وطنية طويلة الأمد للبنان تمتد من عام 2026 إلى عام 2126.
ولا يقتصر المفهوم على رقمنة مؤسسات الدولة، بل يقوم على دولة قادرة على استخدام البيانات والاستشراف في اتخاذ القرارات، والتعلم من التجارب، والتكيف مع المتغيرات وتحسين الخدمات العامة، مع إبقاء كرامة الإنسان والحوكمة الرشيدة وسيادة القانون في صلب عمل المؤسسات.
كما تضع الرؤية الشباب في صميم صياغة مستقبل البلاد، انطلاقاً من أن الأجيال التي ستعيش خلال القرن المقبل ينبغي أن يكون لها دور في تحديد أولوياته وبناء مؤسساته.
نحو عقد اجتماعي جديد
سلطت الورشة الضوء أيضاً على الحاجة إلى إعادة النظر في العلاقة بين المواطنين اللبنانيين والدولة.
وحدد المشاركون الضغوط التي تعرض لها العقد الاجتماعي القائم في لبنان نتيجة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتداخلة، ولا سيما تأثيرها على المساواة في المواطنة، والخدمات العامة، والثقة بمؤسسات الدولة.
وحددت النقاشات الخدمات والأمن والمشاركة السياسية كأولويات أساسية لدى الشباب، إلى جانب المطالبة بسيادة القانون، والعدالة الاقتصادية، والإصلاح السياسي، والمساءلة، وتوفير الأمن من خلال مؤسسات الدولة.
وطرحت هذه الأولويات باعتبارها عناصر أساسية لعقد اجتماعي متجدد في إطار الجمهورية الذكية المقترحة.
ستة محاور للجمهورية الجديدة
حدد المشاركون ستة محاور رئيسية لتوجيه رؤيتهم للبنان خلال القرن المقبل:
التحديث
الحوكمة
العلوم والفلسفة
التغير المناخي
الشباب والأجيال القادمة
الذكاء الاصطناعي
وتوزع المشاركون الـ65 على مجموعات لمناقشة كيفية مساهمة كل محور في رسم مستقبل لبنان خلال المئة عام المقبلة. واعتُبر الشباب والذكاء الاصطناعي محورين متقاطعين مع المحاور الأخرى.
كما استعانت الورشة بشخصيات افتراضية مولدة بالذكاء الاصطناعي لطرح رؤى حول مستقبل لبنان ومناقشة التخطيط الاستراتيجي التنموي والمخاطر المحتملة.
مسودة "إعلان الجمهورية الذكية"
توجت النقاشات بإعداد مسودة "إعلان الجمهورية الذكية"، جمعت مقترحات المشاركين بشأن مستقبل لبنان خلال القرن المقبل ضمن المحاور الستة.
وطرحت المسودة للتصويت في ختام الورشة، حيث حدد المشاركون أولوياتها الرئيسية.
ومن المتوقع أن تستكمل المبادرة من خلال ورش عمل إضافية تهدف إلى تطوير الإعلان وتحويل الرؤية التي يقودها الشباب إلى إطار أوسع للجمهورية اللبنانية في قرنها الثاني.
وتضع الرؤية المقترحة في نهاية المطاف التكنولوجيا والمعرفة ومشاركة الشباب والحوكمة القائمة على المساءلة في صميم الجهود الرامية إلى رسم مستقبل لبنان بين عامي 2026 و2126.