
لبنان - استضافت إنمائية، المنصة الرقمية للتنمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي والتي أطلقتها مؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة، جلسة بعنوان "الثقة والتكنولوجيا والتحول"، ضمن فعاليات قمة المبدعين 2026 التي أُقيمت في كازينو لبنان.
وتناولت الجلسة مسار تحديث الإدارة العامة في لبنان، ودور التكنولوجيا في تطوير الخدمات الحكومية، إلى جانب أهمية بناء مؤسسات أكثر استجابة لاحتياجات المواطنين وتعزيز الثقة بينهم وبين الدولة.
وأدارت الجلسة ماريا رحّال، صحافية في إنمائية، بمشاركة وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية الدكتور فادي مكي، والناشطة الشبابية ومؤسسة Medonations مارينا الخوند.
عرض الوزير مكي رؤية وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية للإصلاح، والتي تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: الحوكمة، والموارد البشرية، والتحول الرقمي.
وفي ما يتعلق بالحوكمة، قال مكي إن آخر تقييم شامل لتكامل العمل بين الوزارات يعود إلى عام 1960، مضيفاً أن الوزارة تعمل حالياً على إعادة تقييم هذه الهياكل لتحديد الثغرات وتوضيح سبل تعزيز فعالية المؤسسات الحكومية.
كما تناول مكي التحديات التي تواجه الإدارة العامة في لبنان، ولا سيما النقص في الكوادر المؤهلة. وقال إنه خلافاً للاعتقاد السائد بأن القطاع العام يعاني من فائض في الموظفين، فإن ما بين 75% و80% من الوظائف في المؤسسات العامة شاغرة.
وأشار إلى وجود نقص في وظائف أساسية تشمل التخطيط الاستراتيجي، وإدارة الموارد البشرية، والتدقيق الداخلي.
وأوضح مكي أن معالجة هذه الفجوات لا تقتصر على إعادة ملء الوظائف التقليدية في القطاع العام، بل تتطلب الاستفادة من التكنولوجيا والتحول الرقمي ودمج القطاع الخاص بشكل مدروس.
كما أشار إلى إمكانية الاستفادة من الشباب والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في معالجة بعض الفجوات في الخدمات العامة وتعزيز الإنتاجية. وشدد في الوقت نفسه على أن الخصخصة لا تلغي دور القطاع العام، إذ ستواصل الدولة الإشراف على هذه العمليات وتنظيمها.
وأكد مكي أن التحول الرقمي لا يعني ببساطة نقل الإجراءات الحكومية الحالية إلى الإنترنت، بل يتطلب إعادة هندسة العمليات بهدف تحقيق قيمة فعلية للمواطنين.
وقال إن منصة "دولتي" كجزء من هذا التوجه، موضحاً أن نجاحها لا يعتمد فقط على البنية التحتية التقنية، بل أيضاً على مدى ثقة المواطنين بالخدمات الرقمية واعتمادهم عليها. وفي هذا السياق، تعمل الوزارة على استخدام مقاربات سلوكية، بما في ذلك أساليب "الحث السلوكي" والاختبارات العشوائية، لفهم كيفية تفاعل المواطنين مع الخدمات الحكومية الرقمية بشكل أفضل.
وقال مكي إن بناء الثقة الرقمية يتطلب أيضاً أنظمة قوية للأمن السيبراني وحماية البيانات، إلى جانب منظومة رقمية أوسع تدعمها الهوية الرقمية. وتعمل الحكومة على مراجعة مجموعة من الإجراءات الإدارية بهدف رقمنتها وتبسيطها، بما في ذلك الخدمات المرتبطة بجوازات السفر، والضمان الاجتماعي، والموافقات والتراخيص الرسمية.
وأضاف أن "أنظمة الدفع الرقمية وقابلية التشغيل البيني بين الإدارات الحكومية تشكلان عنصرين أساسيين لبناء منظومة حكومية إلكترونية أكثر تكاملاً وفعالية". وأوضح أن العمل يتركز حالياً على إعطاء الأولوية للخدمات التي يحتاج إليها المواطنون بشكل متكرر، ولا سيما معاملات السجلات المدنية، مثل إخراج القيد الفردي والعائلي، وتصحيح القيود، إلى جانب عدد من المعاملات الإدارية الأساسية.
ومن جهتها، طرحت الخوند منظوراً يرتكز على المجتمع المدني والشباب، مشددة على أن التكنولوجيا يجب أن تستجيب لمشكلات حقيقية في حياة الناس اليومية، بدلاً من الاكتفاء بزيادة عدد الخدمات الرقمية المتاحة. واستناداً إلى تجربة Medonations.
وأكدت الخوند أن دور الشباب لا يقتصر على إبداء الرأي عند وضع السياسات والخدمات العامة، بل يشمل المشاركة المباشرة في تصميم الحلول.
وشرحت نهج Medonations القائم على المشاركة في تطوير الحلول، والذي يجمع المواطنين ومديري المشاريع والفرق التقنية لرسم مسارات تجربة المستخدمين وجمع ملاحظاتهم.
كما أشارت إلى قطاعي الرعاية الصحية والطب عن بُعد كمثالين على أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، لافتة إلى أن أدوات مثل مساعدات الذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر انتشاراً، إلا أن المستخدمين قد يترددون في الاعتماد عليها عندما لا تكون المعلومات الرقمية مرتبطة بشكل واضح بمتخصصين مؤهلين ومؤسسات موثوقة.
وعقب النقاش، أُقيمت جلسة أسئلة وأجوبة تفاعلية مع الحضور، أتاحت مزيداً من النقاش حول مستقبل التحول الرقمي في لبنان وتطوير خدمات عامة رقمية أكثر سهولة في الوصول.
وسلّطت الجلسة الضوء على التحدي الأوسع الذي يواجه التحول الرقمي في لبنان، والمتمثل في ضمان مواكبة التقدم التكنولوجي للإصلاح المؤسسي، وتعزيز ثقة المواطنين، وتصميم الخدمات انطلاقاً من احتياجاتهم. ولجعل الحكومة الرقمية أكثر انتشاراً، شددت الجلسة على أهمية الربط بين التكنولوجيا والحوكمة والتصميم الذي يضع الإنسان في صلب العملية، بما يساهم في تقديم خدمات عامة أكثر سهولة وكفاءة واستجابة لاحتياجات المواطنين.