لبنان – الوصول إلى الدواء جزء أساسي من الحق في الصحة، لكن هذا الوصول يواجه تحديات متزايدة في لبنان مع تفاقم الضغوط على القطاع الصيدلاني.

أكثر من 200 صيدلية أغلقت أبوابها، فيما تواجه نحو 700 أخرى خطر الإقفال خلال الشهرين أو الثلاثة المقبلة، بحسب نقيب صيادلة لبنان الدكتور عبد الرحمن مرقباوي. ويحذر من أن العدد قد يتجاوز ألف صيدلية خلال عام إذا استمرت الظروف على حالها.

وفي مقابلة خاصة مع Enmaeya، قال مرقباوي إن ثلاثة عوامل رئيسية تضغط على الصيدليات اليوم: ارتفاع المصاريف، تراجع المبيعات، وصعوبة تأمين السيولة.

كلفة التشغيل في ارتفاع

لم تعد المصاريف تشكل عبئاً على الصيدلية فحسب، بل على الصيدلي نفسه، بحسب مرقباوي، الذي أشار إلى ارتفاع كلفة الإيجارات والاشتراكات ورواتب الموظفين والاتصالات وغيرها من أعباء التشغيل.

وفي المقابل، تراجعت المبيعات، ما جعل تغطية هذه المصاريف أكثر صعوبة.

ويربط مرقباوي جزءاً من تراجع المبيعات بانتشار بيع الأدوية خارج الصيدليات، مشيراً إلى المستوصفات والمراكز، حتى المرخصة منها، إضافة إلى البيع عبر الإنترنت والتهريب وبيع منتجات وأدوية يفترض أن تكون داخل الصيدليات.

وتعمل النقابة ووزارة الصحة والأجهزة الأمنية والجمركية على ملاحقة هذه الممارسات، بحسب مرقباوي، بهدف ضمان حصول المرضى على أدوية موثوقة، وليس فقط دعم الصيدليات.

السيولة: الدفع قبل وصول الدواء

إلى جانب ارتفاع المصاريف وتراجع المبيعات، تواجه الصيدليات مشكلة في السيولة.

ويقول مرقباوي إن بعض الوكلاء لا يزالون يطلبون الدفع نقداً، بحيث تُسدّد قيمة الدواء أو الطلبية قبل وصولها إلى الصيدلية.

ويضع ذلك الصيدلي أمام حاجة دائمة إلى سيولة متاحة لشراء الأدوية، في وقت تتراجع فيه المبيعات وترتفع كلفة التشغيل.

وعن تأثير تحديد أسعار الأدوية من قبل وزارة الصحة، يقول مرقباوي إن المشكلة، من وجهة نظره، لا تكمن في تسعير الدواء بحد ذاته، بل في الحاجة إلى تعديل هامش الصيدلي.

وتدرس وزارة الصحة، بحسب مرقباوي، آلية مناسبة لإجراء هذا التعديل، بما لا يحمّل المواطن كلفة إضافية كبيرة.

فائض في عدد الصيدليات والصيادلة

إلى جانب الضغوط المالية، يشير مرقباوي إلى مشكلة أخرى تتعلق بحجم القطاع، معتبراً أن عدد الصيدليات في لبنان أصبح نحو ثلاثة أضعاف الحاجة، فيما يتجاوز عدد الصيادلة الحاجة بنحو الضعف.

وفي الوقت نفسه، يستمر بيع الأدوية عبر الإنترنت وخارج الصيدليات، فيما تعمل الجهات المعنية على ضبط هذه القنوات.

وبالنسبة إلى مرقباوي، لا تتوقف تداعيات الأزمة عند أصحاب الصيدليات، بل قد تمتد مباشرة إلى المرضى.

ويحذر من أنه في حال إغلاق المزيد من الصيدليات، قد يلجأ بعض المرضى إلى شراء الأدوية من خارج القنوات الموثوقة، ما قد يعرّض صحتهم للخطر.

وتزداد المشكلة أهمية في المناطق التي تضم عدداً محدوداً من الصيدليات، إذ إن إغلاق بعضها قد يصعّب وصول المرضى إلى الدواء.

أزمة قطاع أم أزمة وصول إلى الدواء؟

تضع أزمة الصيدليات لبنان أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن الحفاظ على استمرارية الصيدليات، من دون زيادة العبء على المريض؟

فارتفاع كلفة التشغيل وتراجع المبيعات وأزمة السيولة تضغط على قدرة الصيدليات على الاستمرار، بينما قد يؤدي تراجع عددها إلى صعوبة أكبر في الوصول إلى الدواء، خصوصاً في المناطق التي تعاني أصلاً من محدودية الخدمات الصحية.

وتأتي هذه الأزمة في وقت يعمل فيه لبنان على إصلاح قطاعه الدوائي وتحسين الوصول إلى الأدوية وجودتها وتوافرها.

وكانت وزارة الصحة، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية والاتحاد الأوروبي، قد ناقشت في 2025 إصلاحات للقطاع الصيدلاني تركز على الوصول إلى الدواء والقدرة على تحمّل كلفته والمساءلة.

وبذلك، لا تبدو استدامة الصيدليات قضية اقتصادية منفصلة عن الصحة العامة؛ فاستمرار الصيدلية يعني أيضاً الحفاظ على إحدى نقاط الوصول الأساسية إلى الدواء، فيما يبقى التحدي في تحقيق توازن بين استدامة القطاع وقدرة المريض على تحمّل كلفة العلاج.