
لبنان - في وقت يجتمع فيه قادة العالم في نيويورك للمشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، يدور في المدينة نقاش عالمي آخر حول المناخ. ويجمع أسبوع المناخ في نيويورك 2026، الذي يُقام بين 20 و27 أيلول، الحكومات والشركات والمستثمرين والباحثين والمجتمع المدني ضمن أكثر من 1,000 فعالية، ويستقطب أكثر من 100 ألف مشارك سنوياً.
وانطلق البرنامج الرسمي في 21 أيلول تحت شعار هذا العام: «الطاقة. الأثر. العمل.» لكن هذه الكلمات الثلاث تعكس تحوّلاً أوسع في النقاش العالمي حول المناخ.
من الطموح إلى التنفيذ
بحسب منظمة Climate Group، التي تنظم أسبوع المناخ، يتمثل التحدي اليوم في «التنفيذ وليس الطموح». وتشهد أنظمة الطاقة تغيّرات متسارعة، فيما يتزايد الطلب على الكهرباء مع التوسع في استخدام الكهرباء والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، بالتزامن مع ضغوط متزايدة على سلاسل التوريد والبنية التحتية والاقتصادات.
وينعكس هذا السياق بشكل مباشر في برنامج هذا العام. إذ تبحث الجلسة الافتتاحية، «رهانات أكبر، خيارات أصعب»، في تزايد الترابط بين الاعتبارات المناخية والطاقة والاقتصاد.
كما تجمع جلسة رئيسية أخرى بعنوان «التعامل مع عالم متغير» بين قضايا تكاليف الطاقة واضطراب سلاسل التوريد وموجات الحر الشديدة والفيضانات والضغوط الجيوسياسية.
وتتناول فعاليات أخرى على مدار الأسبوع تمويل العمل المناخي، والنظم الغذائية، والبنية التحتية القادرة على الصمود، والنقل، والصحة، والطبيعة، والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا النظيفة.
لماذا يهم النقاش العالمي لبنان؟
قد تكون هذه النقاشات عالمية، لكن العديد من القضايا المطروحة في نيويورك تبدو مألوفة للبنان.
كيف يمكن للدول تأمين طاقة موثوقة وبأسعار معقولة، بالتوازي مع خفض الانبعاثات؟ وكيف يمكن جعل البنية التحتية أكثر قدرة على الصمود؟ ومن أين سيأتي التمويل اللازم للتكيف مع تغير المناخ؟ وكيف ينبغي للمدن أن تستجيب للمخاطر المناخية المتزايدة؟ وكيف يمكن الحفاظ على أولويات العمل المناخي في وقت تواجه فيه الحكومات في الوقت نفسه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية؟
وتكتسب هذه الصلة أهمية خاصة مع حضور لبنان في نيويورك خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الـ81. ويترأس رئيس الجمهورية جوزاف عون الوفد اللبناني إلى الجمعية العامة، فيما وصل رئيس الحكومة نواف سلام أيضاً إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات أممية وإجراء لقاءات ثنائية.
خارطة طريق لبنان المناخية
ولا يدخل لبنان هذا النقاش من دون خارطة طريق مناخية. إذ يجمع إطار سياسته المناخية بين خطة التكيف الوطنية للفترة 2025–2035، والمساهمة المحددة وطنياً المحدّثة (NDC 3.0)، والاستراتيجية الطويلة الأجل للتنمية منخفضة الانبعاثات.
وتحدد خطة التكيف الوطنية ثمانية قطاعات تتأثر بشكل مباشر بالمناخ، هي: الزراعة، والغابات، والموارد المائية، والتنوع البيولوجي، والبنية التحتية الحضرية، والصحة العامة، والحد من مخاطر الكوارث، والسياحة.
وفي موازاة ذلك، تحدد المساهمة المحددة وطنياً (NDC 3.0) أهدافاً للتخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه حتى عام 2035، فيما تسلط الضوء على فجوات مستمرة في التمويل والبيانات والتنسيق المؤسساتي، قد تحد من القدرة على تنفيذ هذه الأهداف.
تحدي التنفيذ
وهنا تبرز أهمية الرسائل المطروحة في نيويورك بالنسبة إلى لبنان.
فبالنسبة إلى لبنان، ودول أخرى في المنطقة تواجه ضغوطاً مناخية بالتزامن مع عدم استقرار اقتصادي وجيوسياسي، لم يعد التحدي المناخي يقتصر على خفض الانبعاثات.
بل بات مرتبطاً بشكل متزايد بكيفية إنتاج الدول للطاقة، وحماية أنظمة المياه والغذاء، وتمويل البنية التحتية، وإدارة المدن، وجذب الاستثمارات، وتعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات المستقبلية.
قد يُقام أسبوع المناخ في نيويورك على بُعد آلاف الكيلومترات من بيروت، لكن العديد من الأسئلة المطروحة هناك هي في الواقع أسئلة تواجه لبنان أيضاً.
والتحدي اليوم لا يقتصر على وضع خطط مناخية على الورق، بل يتمثل في تحديد كيفية إدماج هذه الخطط في قرارات الاستثمار والتعافي والتنمية في لبنان.