
أمريكا – بعد عشر سنوات على اتفاق باريس للمناخ، بدا النقاش حول المناخ في نيويورك مختلفاً.
خلال الفعالية رفيعة المستوى حول العمل المناخي والتحول العادل، التي عُقدت في 23 أيلول/سبتمبر ضمن أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، اجتمع القادة في وقت وصفت فيه الأمم المتحدة المشهد بعبارات واضحة: يتسارع التحول في قطاع الطاقة، لكن تجاوز عتبة الاحترار البالغة 1.5 درجة مئوية لفترة مؤقتة بات يُعتبر أمراً حتمياً. وبالتالي، لم يعد السؤال يقتصر على كيفية خفض الانبعاثات، بل أصبح يتمحور أيضاً حول كيفية تحويل أنظمة الطاقة بسرعة وعدالة، مع حماية الناس من الآثار المناخية التي بدأت تتكشف بالفعل.
وهذا هو جوهر التحول المناخي: نقل الاقتصادات بعيداً عن أنظمة الطاقة والتنمية كثيفة الكربون، باتجاه أنظمة أنظف وأقل انبعاثاً وأكثر قدرة على الصمود أمام تغير المناخ. لكن إضافة كلمة «عادل» تجعل التحدي أوسع بكثير. فلا يمكن اعتبار التحول ناجحاً لمجرد تركيب المزيد من ألواح الطاقة الشمسية أو مزارع الرياح أو المركبات الكهربائية، بل يجب أيضاً أن يأخذ في الاعتبار من يستطيع تحمّل كلفة هذا التحول، وما سيحدث للعمال والمجتمعات، وما إذا كانت الطاقة ستبقى موثوقة، وما إذا كانت الدول النامية ستحصل على التمويل والتكنولوجيا اللازمين للمشاركة فيه.
هيمنت ثلاثة ملفات على جلسة الأمم المتحدة: تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، وتوسيع نطاق التمويل المناخي الميسور للدول النامية، وتعزيز التكيف والقدرة على الصمود مع اشتداد آثار تغير المناخ.
وعبّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن الحاجة الملحّة إلى التحرك بوضوح، قائلاً: «نحن الجيل الأول الذي يمتلك الأدوات لإنهاء عصر الوقود الأحفوري، والأخير الذي يمكنه تفادي كارثة مناخية». ودعا الدول إلى وضع خرائط طريق موثوقة تتضمن جداول زمنية للابتعاد عن الوقود الأحفوري، بالتوازي مع توسيع نطاق الطاقة المتجددة، والكهرباء، وجهود التكيف.
لكن بعض الرسائل الأكثر وضوحاً جاءت من دول تعيش بالفعل تبعات تغير المناخ. وتحدث رئيس بالاو سورانغل ويبس الابن، باسم تحالف الدول الجزرية الصغيرة ومنتدى جزر المحيط الهادئ، داعياً إلى نقل العمل المناخي «من الالتزامات إلى التنفيذ»، ومشدداً على أن التمويل والتكنولوجيا ودعم القدرات لا تزال عناصر أساسية إذا كان متوقعاً من الدول الأكثر عرضة للمخاطر تنفيذ خططها المناخية.
كما أظهر الاجتماع ما بات يعنيه «التنفيذ» بصورة متزايدة. فبالتزامن مع القمة، أطلقت الأمم المتحدة «المسرّع العالمي لشبكات الكهرباء» لمساعدة المناطق النامية على بناء البنية التحتية الكهربائية اللازمة لاستيعاب الكميات المتزايدة من الطاقة المتجددة، إلى جانب آلية تهدف إلى مساعدة الدول النامية المنتجة للمعادن على تحقيق فوائد اقتصادية أكبر من المواد التي تقوم عليها عملية التحول إلى الطاقة النظيفة. كما جرى تسليط الضوء على التقدم المحرز في توسيع نطاق أنظمة الإنذار المبكر.
وكانت الرسالة واضحة: المرحلة المقبلة من العمل المناخي لا تتعلق بالأهداف وحدها، بل بالبنية التحتية والاستثمار والمؤسسات والحماية.
من بعض الجوانب، يعيش لبنان بالفعل نسخته الخاصة من التحول في قطاع الطاقة، لكن إلى حد كبير بدافع الضرورة وليس نتيجة تخطيط مسبق.
فقد دفعت سنوات من انقطاع الكهرباء الأسر والشركات إلى الاعتماد على أنظمة الطاقة الشمسية الخاصة. وبحلول نهاية عام 2024، وصلت قدرة أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية المستقلة المزودة ببطاريات للتخزين إلى نحو 1,400 ميغاواط. إلا أن البنك الدولي يشير إلى محدودية مهمة في هذا التوسع، وهي أن الاستفادة منه اقتصرت إلى حد كبير على القادرين على تحمّل كلفة الاستثمار الأولية.
وهنا تحديداً تبرز أهمية مفهوم التحول العادل.
يمكن لألواح الطاقة الشمسية على أسطح المنازل أن تقلل الاعتماد على الديزل، وتوفر للأسر قدراً أكبر من أمن الطاقة، لكنها لا تؤدي بمفردها إلى تحقيق تحول وطني عادل وفعّال في قطاع الطاقة. فلا يزال لبنان بحاجة إلى شبكات موثوقة، وأنظمة تخزين، وأطر تنظيمية، وتمويل ميسّر، وحلول متاحة للأسر التي لا تستطيع شراء أنظمة خاصة بها.
وقد وضع لبنان بالفعل أهدافاً مناخية. وبموجب مساهمته المحددة وطنياً الثالثة (NDC 3.0)، يهدف لبنان إلى خفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 22% دون شروط، وبنسبة 33% في حال توفير دعم إضافي بحلول عام 2035، فيما يُفترض أن تغطي الطاقة المتجددة 25% من الطلب على الكهرباء دون شروط، و30% في حال توفير الدعم.
ويكشف الفرق بين هذه الأهداف أيضاً عن جانب مهم: فزيادة مستوى الطموح تعتمد جزئياً على القدرة على الوصول إلى التمويل الدولي.
ولا يمكن أن يقتصر التحول على قطاع الكهرباء. فلبنان معرض أيضاً بدرجة كبيرة للضغوط المناخية التي تؤثر في المياه والزراعة والغابات، ما يعني أن جهود التكيف يجب أن تتقدم بالتوازي مع خفض الانبعاثات.
لا يحتاج لبنان إلى الدخول في سباق عالمي لتركيب المزيد من مصادر الطاقة المتجددة، بقدر ما يحتاج إلى تحويل عملية انتقال بدأت بالفعل ولكنها لا تزال مجزأة، إلى تحول مخطط وميسور التكلفة وقادر على الصمود.
ويشير النقاش الذي شهدته الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أن الفصل المقبل من العمل المناخي سيُقاس بدرجة أقل بالوعود التي تقدمها الدول، وبدرجة أكبر بمدى ترجمة هذه الوعود إلى أنظمة تعمل فعلياً، وتعمل لصالح الجميع.