
لبنان — في وقت تبحث فيه لبنان وسوريا في إنشاء ممرات جديدة ومشاريع لإعادة الإعمار، تشير الأبحاث إلى أن عوائد هذه المشاريع تعتمد على المؤسسات بقدر اعتمادها على التمويل. وفي هذا التقرير، نبحث في المواضع التي تميل فيها هذه العوائد إلى التراجع أو الهدر، وما قد يعنيه ذلك بالنسبة إلى لبنان.
تناول المنتدى اللبناني-السوري للاستثمار، الذي عُقد في بيروت في 23 أيلول، ملفات التجارة والنقل وإعادة الإعمار، إلا أن إحدى أبرز النقاط جاءت من المسؤولين أنفسهم. وأشار وزير الاقتصاد السوري إلى أن القرب الجغرافي وحده لن يؤدي إلى تحقيق التكامل، لافتاً بدلاً من ذلك إلى أهمية المعابر الحدودية الفعّالة، والمؤسسات الموثوقة، والمصارف القادرة على تمويل التجارة. من جهته، دعا وزير الاقتصاد اللبناني عامر بساط إلى الانتقال من النوايا إلى المؤسسات، ثم إلى التنفيذ.
وتأتي هذه النقاشات في مرحلة صعبة. ويتوقع البنك الدولي أن ينكمش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% في عام 2026، فيما يقدّر وزير المالية ياسين جابر أن الخسائر منذ عام 2023 قد تصل إلى 20 مليار دولار. كما عادت مشاريع كبرى إلى جدول الأعمال، من بينها خط سكة حديد يربط مرفأ طرابلس بالشبكة السورية، والذي يقول وزير النقل السوري إنه قيد الدراسة. وفي وقت يهيمن التمويل على النقاش، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: بعد إنفاق الأموال، ما حجم قيمتها الذي يصل فعلياً إلى الاقتصاد؟
كم يُهدر قبل اكتمال المشروع؟
قدّرت دراسة لصندوق النقد الدولي شملت 134 دولة أن نحو 30% في المتوسط من القيمة المحتملة للاستثمار العام تُفقد بسبب عدم الكفاءة، فيما تبلغ النسبة نحو 27% في الأسواق الناشئة. كما يؤدي استثمار عام إضافي يعادل 1% من الناتج المحلي الإجمالي إلى زيادة الناتج بنحو 0.3 نقطة مئوية في البلدان الأقل كفاءة، مقارنة بنحو 0.6 نقطة مئوية في البلدان الأكثر كفاءة. وترتبط هذه الخسائر بضعف اختيار المشاريع، وتجاوزات الكلفة، والتأخير في التنفيذ. وفي المقابل، تشير الدراسة نفسها إلى أن تحسين إدارة الاستثمارات العامة يمكن أن يسد ما يصل إلى ثلثي هذه الفجوة.
ماذا يحدث بعد افتتاح الطريق؟
حتى البنية التحتية التي تُنفّذ بشكل جيد لا تحقق أكثر مما تسمح به الأنظمة المحيطة بها. ووجد دجانكوف وفرويد وفام أن كل يوم إضافي تنتظر فيه السلع قبل شحنها يؤدي إلى خفض التجارة بنسبة لا تقل عن 1%، وهو تأثير يشبه زيادة المسافة بين دولة وشركائها التجاريين بمقدار 70 كيلومتراً. وبالنسبة إلى المزارعين اللبنانيين، تكون المخاطر أكبر، إذ يؤدي تأخير يوم واحد إلى خفض الصادرات النسبية للمنتجات الزراعية الحساسة للوقت بنسبة 6%.
ويعني ذلك أن المكاسب التي يفترض أن يحققها أي ممر جديد، من خفض تكاليف النقل إلى تسريع الوصول إلى أسواق الخليج، يمكن أن تتآكل تدريجياً عند الحدود. فكل يوم تنتظره الشاحنة يعني مبيعات ضائعة للمصدّرين، وتكاليف أعلى للمستوردين، وإيرادات مفقودة للدولة من العبور والرسوم الجمركية.
ويُظهر معبر المصنع، المعروف باسم جديدة يابوس على الجانب السوري، أهمية ذلك. فهو حالياً المعبر البري الوحيد العامل بين لبنان وسوريا، كما يشكل المسار البري الرئيسي للبنان للتجارة والزراعة والعبور إلى الأسواق العربية.
وتعبر المعبر أكثر من 300 شاحنة يومياً، محمّلة بأكثر من 5,000 طن من البضائع، فيما تخضع كل منها للتفتيش من جانب عدة أجهزة أمنية. وفي شباط، اعتمد البلدان أيضاً آلية مؤقتة تفرض تفريغ البضائع وإعادة تحميلها في نقطة مشتركة، ما يضيف خطوة جديدة تحديداً في المكان الذي تكون فيه كلفة الوقت الأعلى.
ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى لبنان؟
تشير الأدلة إلى ثلاثة إجراءات عملية.
تعزيز مسار المشاريع في مرحلة مبكرة. تحدث العديد من الخسائر التي يحددها صندوق النقد الدولي قبل بدء أعمال البناء، عندما يتم اختيار المشاريع من دون تقييم مناسب أو تقديرات واقعية للكلفة. ولمساعدة الحكومات على تحديد نقاط الضعف هذه، طوّر صندوق النقد الدولي أداة تقييم إدارة الاستثمار العام (PIMA)، وهي أداة تشخيصية تراجع 15 مؤسسة تؤثر في كيفية التخطيط للاستثمارات العامة وتخصيصها وتنفيذها. وفي حال تطبيق أداة مماثلة على مشاريع إعادة الإعمار، يمكن أن تساعد في تحديد الثغرات في مرحلة مبكرة. كما يمكن أن تعمل بالتوازي مع سجل عام للمشاريع يوضح تكاليفها، وجداولها الزمنية، ونتائج تقييمها.
إدراج كفاءة الحدود في المحادثات الثنائية. يعود جزء كبير من الوقت الضائع على الحدود إلى الإجراءات المتبعة، وليس إلى البنية التحتية المادية. ويمكن للبيانات الجمركية المقدّمة إلكترونياً قبل وصول الشاحنات، وعمليات التفتيش التي تستهدف الشحنات الأعلى خطراً، والترتيبات التي تتيح للشاحنات العبور من دون نقل حمولاتها، أن تساهم جميعها في تقليص فترات الانتظار. إلا أن تسريع التخليص الجمركي يجب ألا يأتي على حساب الأمن.
وعملياً، يمكن تحقيق الهدفين معاً. فمشاركة البيانات بين السلطات اللبنانية والسورية، واستخدام أجهزة فحص البضائع، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، يمكن أن تساعد في تحديد الشحنات المشبوهة بصورة أكثر دقة، بما يسمح في الوقت نفسه بتسريع حركة التجارة المشروعة. وتكلف هذه الإجراءات أقل بكثير من إنشاء طرق أو خطوط سكك حديدية جديدة، ويمكن أن تظهر فوائدها قبل وقت طويل من اكتمال أي مشروع كبير.
قياس الممرات بالوقت والكلفة معاً. عادةً ما تُقيّم المشاريع الكبرى، مثل خط سكة الحديد بين طرابلس وسوريا، استناداً إلى تكاليف الإنشاء وحجم حركة المرور المتوقعة. إلا أن الأبحاث تُظهر أن قيمة أي ممر تعتمد أيضاً على سرعة انتقال البضائع فعلياً عبره. ومن شأن إدراج أوقات التخليص المتوقعة على الحدود ضمن تقييم المشروع أن يعطي صورة أكثر واقعية عن عوائده. كما سيساعد ذلك في ضمان أن يترافق الاستثمار مع الإجراءات اللازمة لتحقيق العائد المتوقع منه.
كانت رسالة المنتدى أن الموقع الجغرافي يمكن أن يتحول إلى فرصة. وتضيف الأبحاث نقطة مهمة: حجم هذه الفرصة سيعتمد في نهاية المطاف على المؤسسات التي تدير ما يتم بناؤه وتضمن انتقاله عبر الحدود.


