
بورتسودان/الخرطوم – يحتاج نحو 12.7 مليون شخص في السودان بشكل عاجل إلى خدمات الوقاية من العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستجابة له خلال عام 2026، في ظل استمرار النزاع المسلح والنزوح الجماعي وتدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، وفق تقييم أعدّه صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) بعنوان "Turning Evidence into Action".
ويستند التقرير إلى 95 جلسة نقاش مركزة أُجريت في 16 ولاية و39 محلية، وشملت أشخاصًا من النازحين داخليًا والمجتمعات المضيفة واللاجئين، بهدف رصد المخاطر التي تواجه النساء والفتيات وإمكانية وصولهن إلى خدمات الحماية.
مخاطر متزايدة في الحياة اليومية
أظهر التقييم أن النساء والفتيات يواجهن مخاطر أمنية متزايدة أثناء التنقل والقيام بالأنشطة اليومية، بما في ذلك التحرش الجنسي والاغتصاب والاختطاف والاعتداء الجسدي والسرقة.
وأفادت 67% من النساء والفتيات بأنهن يشعرن بعدم الأمان في أماكن مجتمعية يستخدمْنها بشكل يومي، بينما ارتفعت النسبة إلى 93% عند التنقل إلى نقاط تقديم الخدمات الأساسية أو زيارتها.
وتُعد مخيمات النازحين من أكثر الأماكن التي يشعر فيها المشاركون بعدم الأمان، إذ أفاد 62% منهم بأنها تشكل بيئة عالية الخطورة، بسبب الاكتظاظ وانعدام الخصوصية ووجود جماعات مسلحة أو رجال غير مألوفين. وجاءت الأسواق في المرتبة التالية بنسبة 55%.
كما تشكل طرق التنقل، ولا سيما تلك المستخدمة لجمع الحطب، مصدر خطر لنحو 48% من المشاركين. وأشار التقرير كذلك إلى مخاطر في نقاط جمع المياه بنسبة 35% والمراحيض غير المضاءة بنسبة 22%، في ظل ضعف الإضاءة والاكتظاظ وعدم وجود فصل مناسب بين الجنسين.
النساء والفتيات في الفئات العمرية الأصغر
تظهر المخاطر مستويات متفاوتة بحسب العمر. وقالت 76% من النساء بين 25 و49 عامًا إنهن يشعرن بعدم الأمان، خصوصًا أثناء العمل في الحقول أو الذهاب إلى الأسواق أو الحصول على الاحتياجات الأساسية.
وفي المقابل، أفادت البيانات بأن 67% من الفتيات بين 15 و17 عامًا يواجهن ظروفًا غير آمنة، مع تسجيل مخاطر مرتبطة بالمدارس ومخيمات النزوح والتنقل بعد حلول الظلام.
كما أشار التقرير إلى استمرار ضعف الإبلاغ عن حالات العنف، بسبب الوصمة الاجتماعية والخوف من انتقام المعتدين وصعوبة الوصول إلى وسائل النقل، إلى جانب ضعف الثقة ببعض الآليات القانونية والمجتمعية.
مخاطر ختان الإناث
تناول التقييم أيضًا مخاطر ختان الإناث، حيث حدد 93% من المشاركين الفتيات دون سن 14 عامًا باعتبارهن الفئة الأكثر عرضة لهذه الممارسة.
وبحسب المشاركين، تلعب الأمهات والجدات دورًا رئيسيًا في اتخاذ القرارات المتعلقة بختان الإناث، إذ أشار أكثر من 70% منهم إلى أنهن من أبرز صانعات القرار داخل الأسرة.
كما أفاد أكثر من 73% من المشاركين بأن الأسر قد تواجه مستويات متوسطة أو مرتفعة من الضغط الاجتماعي أو الوصمة في حال قررت عدم إجراء الختان، فيما أفادت أكثر من 60% من المجتمعات المشمولة بالتقييم بأن هذه الممارسة تطال نصف الأسر المحلية أو أكثر.
رضا عن الخدمات مقابل فجوات في الوصول
رغم استمرار عدد من خدمات الحماية، أعرب 75% من النساء والفتيات المشاركات عن رضاهن عن الخدمات المتاحة، بما في ذلك الرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي والمساحات الآمنة والمساعدة القانونية.
في المقابل، أفاد نحو 21% بعدم رضاهم، مشيرين إلى انقطاع الخدمات نتيجة خفض التمويل أو صعوبة الوصول الجغرافي إليها.
وفي بعض المناطق، أدى نقص التمويل إلى توقف ورش المهارات في المساحات الآمنة للنساء والفتيات، بينما أشار مشاركون في ولاية نهر النيل إلى غياب الخدمات النشطة.
وأفاد 27% من المشاركين بأن بعض الفئات الأكثر ضعفًا لا تزال مستبعدة أو تواجه صعوبات أكبر في الحصول على المساعدات والخدمات، ومن بينها النساء المسنات والأشخاص ذوو الإعاقة والأسر التي تعيلها نساء أو أطفال وبعض الفئات النازحة.
التمكين الاقتصادي أولوية
إلى جانب خدمات الحماية، برز التمكين الاقتصادي كأولوية رئيسية، إذ حددته 74% من النساء والفتيات المشاركات باعتباره الحاجة الأهم.
وطالب المشاركون بدمج التدريب المهني وفرص توليد الدخل ضمن برامج الحماية، مع اقتراح مجالات مثل الخياطة وصناعة الصابون وتصنيع الأغذية ومهارات استخدام الحاسوب، بهدف دعم قدرة النساء والفتيات على تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي والصمود.
خطة عمل لصندوق الأمم المتحدة للسكان لعام 2026
استنادًا إلى نتائج التقييم، وضع صندوق الأمم المتحدة للسكان خطة عمل لعام 2026 تركز على ثلاثة مسارات رئيسية.
ويشمل المسار الأول توسيع برامج الوقاية والاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي من خلال فرق حماية متنقلة للوصول إلى المناطق المعزولة، وتحسين الإضاءة في المناطق عالية الخطورة، وتوفير خيارات تنقل أكثر أمانًا، إلى جانب حملات للتوعية بمخاطر ختان الإناث.
أما المسار الثاني فيركز على دمج الحماية في الاستجابة الإنسانية متعددة القطاعات، من خلال تقييم المخاطر في مواقع توزيع المساعدات، وتعزيز تدريب العاملين على مدونات السلوك، وتطوير آليات آمنة لإيصال المعلومات إلى المجتمعات.
ويركز المسار الثالث على التنسيق والقيادة عبر تعزيز آليات التنسيق الإقليمية وتوسيع قنوات الملاحظات والشكاوى، إلى جانب الدعوة إلى توفير تمويل دولي إضافي لمعالجة النقص في خدمات الحماية.
وكانت برامج صندوق الأمم المتحدة للسكان قد وصلت خلال عام 2025 إلى 106 محليات من أصل 188 محلية في السودان، بالتعاون مع 33 شريكًا ضمن مجموعة مسؤولية العنف القائم على النوع الاجتماعي.
ويخلص التقييم إلى أن الاستجابة لأزمة الحماية في السودان تتطلب، إلى جانب المساعدات الطارئة، تعزيز الوصول إلى الخدمات، وتحسين السلامة في الأماكن العامة ومواقع تقديم الخدمات، ودعم الاستقلال الاقتصادي للنساء والفتيات.