
لبنان - مع اجتماع قادة العالم في الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول، شارك لبنان في أعمال الدورة رفيعة المستوى، ومثّل رئيس الحكومة نواف سلام البلاد في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وبقيت التنمية المستدامة جزءاً أساسياً من الأجندة العالمية. وشهدت الدورة جلسة مخصّصة لأهداف التنمية المستدامة في 18 أيلول، إلى جانب مناقشات حول العمل المناخي والتنمية والتحديات التي تواجهها الدول في سعيها لتحقيق أهدافها بحلول عام 2030.
ومع بقاء أقل من أربع سنوات حتى عام 2030، يتحوّل التركيز بشكل متزايد من الالتزامات إلى التنفيذ: كيف يمكن للدول تحويل أهداف التنمية المستدامة إلى تحسينات ملموسة وقابلة للقياس في حياة الناس؟
طريق صعب أمام لبنان
بالنسبة إلى لبنان، تبدو هذه المهمة أكثر صعوبة.
فقد واجه لبنان أزمة اقتصادية ومالية طويلة، وتحديات سياسية ومؤسساتية، وأزمات أمنية متكررة. كما زادت سنوات الصراع من الضغوط، وأثّرت على البنية التحتية وسبل العيش والخدمات الأساسية. وقدّر تقييم للبنك الدولي الكلفة الاقتصادية للصراع في 2023-2024 بـ14 مليار دولار، فيما بلغت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار 11 مليار دولار.
ويحتل لبنان المرتبة 121 من أصل 169 دولة في تقرير التنمية المستدامة لعام 2026، مسجّلاً 62.9 نقطة على مؤشر أهداف التنمية المستدامة.
وفي مقابلة مع Enmaeya، قالت منال أبو ضاهر، حاملة ماجستير في العلوم ومنسقة الاستدامة الرئيسية في مكتب الاستدامة في الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU)، إن لبنان لا يزال بعيداً عن تحقيق أجندة 2030، موضحة أن البلاد تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في تسريع مسار التنمية، بالتوازي مع استعادة ما خسرته من تقدّم نتيجة الأزمات المتتالية.
وترى أبو ضاهر أن أهداف التنمية المستدامة يجب أن تكون جزءاً من مسار التعافي في لبنان. وقالت: «يجب أن تسير استعادة التعليم والرعاية الصحية وسبل العيش والمياه والكهرباء بالتوازي مع الحد من أوجه عدم المساواة، وحماية الموارد الطبيعية، وتعزيز المؤسسات».
تصنيف لا يعكس الصورة كاملة
تحذّر أبو ضاهر من قراءة نتيجة لبنان البالغة 62.9 نقطة على أنها تعني أن البلاد حققت 62.9% من أجندة 2030.
فالمؤشر لا يعكس بشكل كامل الفوارق بين المناطق والفئات الاجتماعية، أو جودة الخدمات، أو المبادرات المحلية. كما أن المؤشرات قد تستند إلى سنوات مختلفة من البيانات.
وبالنسبة إلى صانعي السياسات، قالت إن التركيز يجب أن ينصبّ على تحديد المجالات التي تتدهور فيها الأوضاع، ومعرفة من يتم تركه خلف الركب، وتحديد التدخلات القادرة على تحقيق تحسينات قابلة للقياس.
ووفقاً لتقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والإسكوا لعام 2025، سجّل لبنان اتجاهاً متراجعاً في مجالات الجوع، والعمل اللائق والنمو الاقتصادي، والمدن المستدامة، والاستهلاك والإنتاج المسؤولين، والعمل المناخي. في المقابل، شهد التقدّم في مجالات الصحة والتعليم والمياه والطاقة حالة من الركود.
وترى أبو ضاهر أن هذه القضايا مترابطة بشكل وثيق. فالعائلة التي تفقد مصدر دخلها قد تواجه في الوقت نفسه صعوبة في تأمين الغذاء والرعاية الصحية والتعليم. كما يمكن أن يؤثر انقطاع الكهرباء على إمدادات المياه والرعاية الصحية والنشاط الاقتصادي.
وتربط أبو ضاهر هذه الصعوبات بضعف الحوكمة، وتأخر الإصلاحات، ومحدودية الاستثمار في الخدمات العامة. ثم جاءت الأزمة المالية والصراع لتزيد هذه المشكلات حدّة.
من الالتزامات إلى التنفيذ
أنشأ لبنان اللجنة الوطنية لأهداف التنمية المستدامة عام 2017، وقدّم أول مراجعة وطنية طوعية له عام 2018.
وقالت أبو ضاهر إنه يجب أن تكون لكل إجراء مقترح إجابات واضحة عن أربعة أسئلة: من سينفّذه؟ وبأي موارد؟ وضمن أي إطار زمني؟ ومن سيتولى المتابعة؟
وتُعدّ البيانات الموثوقة ضرورية أيضاً لقياس التقدّم. وقالت أبو ضاهر إن لبنان يجب أن يستفيد بشكل أفضل من المعلومات المتاحة، بالتوازي مع الاستثمار في المجالات التي تفتقر إلى بيانات أو تعتمد على بيانات قديمة.
وأضافت: «الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت المعلومات تغيّر قراراً ما: إلى أين تذهب الأموال، وأيّ مجتمعات تحصل على الدعم، أو كيف يتم تحسين خدمة ما».
مجالات لا يزال بإمكان لبنان التقدّم فيها
تُعدّ المياه والطاقة من الأولويات الرئيسية، لأن تحسين هذين القطاعين يمكن أن ينعكس على الرعاية الصحية والتعليم والزراعة وقطاع الأعمال. كما أن حماية التعليم والرعاية الصحية الأولية لا تقل أهمية، فيما يمكن لدعم المؤسسات الصغيرة والمزارعين أن يساعد في الحفاظ على سبل العيش وخلق فرص العمل.
ويجب أيضاً معالجة تغيّر المناخ بالتوازي مع قضايا المياه والطاقة والأمن الغذائي. فعلى سبيل المثال، يمكن للطاقة الشمسية أن تخفّض تكلفة ضخ المياه، لكن انخفاض كلفة الضخ قد يؤدي إلى زيادة استخراج المياه الجوفية إذا لم تتم إدارته بشكل مناسب. وهذا يجعل التخطيط المنسّق أمراً أساسياً.
ويمكن للجامعات أيضاً أن تساهم من خلال التعليم والبحث والمشاركة المجتمعية وممارساتها التشغيلية. وفي الجامعة اللبنانية الأميركية، قالت أبو ضاهر إن نهج الجامعة في مجال الاستدامة يربط بين هذه المجالات.
وترى أن الاستدامة يجب أن تصبح جزءاً من الطريقة التي يفهم بها الطلاب اختصاصاتهم، من الهندسة وإدارة الأعمال إلى الصحة والهندسة المعمارية والعلوم الاجتماعية.
كيف سيبدو التقدّم بحلول عام 2030؟
بالنسبة إلى أبو ضاهر، سيكون التقدّم الحقيقي بحلول عام 2030 واضحاً في الحياة اليومية: انخفاض عدد العائلات التي تضطر إلى الاختيار بين الاحتياجات الأساسية، وتراجع انقطاع التعليم، وتحسّن الوصول إلى الرعاية الصحية والمياه والكهرباء، وتوفير المزيد من فرص العمل اللائق، وتحسين جودة الهواء والمياه، وتعزيز حماية البيئة الطبيعية في لبنان.
ويتطلب تحقيق ذلك وضع أولويات واقعية، وتحديد المسؤوليات بوضوح، وتأمين الموازنات والجداول الزمنية. كما يجب دمج حماية البيئة والقدرة على التكيّف مع تغيّر المناخ في مسار التنمية وإعادة الإعمار، بالتوازي مع تعزيز المؤسسات العامة.
ومع دخول العالم السنوات الأخيرة من أجندة 2030، لا يقتصر تحدّي لبنان على التعافي من الأزمات، بل يتمثل أيضاً في الاستفادة من مسار التعافي كفرصة لإعادة بناء الخدمات الأساسية، وتعزيز المؤسسات، وجعل التنمية أكثر استدامة وشمولاً.
وهذا يتطلب أكثر من الالتزامات والخطط. فهو يحتاج إلى متابعة مستمرة للتنفيذ، وموارد كافية، ومؤسسات قادرة على تحقيق نتائج ملموسة وقابلة للقياس.