
لبنان – من الفيضانات وحرائق الغابات إلى الجفاف والظواهر الجوية المتطرفة، يواجه لبنان بشكل متزايد مخاطر يمكن أن تعطل حياة المجتمعات والبنية التحتية وسبل العيش. ومع اجتماع الحكومات والخبراء في تونس هذا الشهر لمناقشة مستقبل أنظمة الإنذار المبكر في المنطقة العربية، لا يقتصر السؤال بالنسبة إلى لبنان على مدى دقة التنبؤ بالمخاطر، بل يشمل أيضاً مدى قدرة التحذيرات على التحول إلى إجراءات سريعة وفي الوقت المناسب على أرض الواقع.
الإنذار المبكر في صدارة النقاشات في تونس
تستضيف تونس، من 12 إلى 14 تشرين الأول/أكتوبر 2026، المنتدى العربي الثاني حول أنظمة الإنذار المبكر والتأهب للكوارث، بمشاركة حكومات وخبراء ومنظمات إقليمية ودولية.
وينعقد المنتدى في وقت تواجه فيه المنطقة العربية مخاطر مترابطة تتفاقم بفعل تغير المناخ، من الجفاف والحر الشديد إلى السيول المفاجئة وحرائق الغابات والزلازل. وستركز المناقشات على معلومات المخاطر والتنبؤ بها وإيصال التحذيرات والتأهب، إلى جانب الدفع قدماً بمبادرة «الإنذارات المبكرة للجميع» (EW4All)، التي تهدف إلى ضمان حماية الجميع من خلال نظام للإنذار المبكر بحلول عام 2027.
وعلى الصعيد العالمي، أفادت 119 دولة، أي 60% من الدول، بامتلاكها حالياً نظاماً متعدد المخاطر للإنذار المبكر، في حين تقل الوفيات الناجمة عن الكوارث بنحو ستة أضعاف في الدول التي تمتلك أنظمة أكثر شمولاً.
مخاطر لبنان أصبحت واضحة
بالنسبة إلى لبنان، لا تقتصر هذه المخاطر على التوقعات النظرية. ففي 18 أيلول/سبتمبر 2026، أدت أمطار غزيرة خلال فترات زمنية قصيرة إلى تراكم المياه على عدد من الطرق، ما دفع وزارة الأشغال العامة والنقل إلى نشر فرق فنية وصيانة وآليات للتعامل مع الوضع.
وتظهر الأحداث الأكبر مدى سرعة تصاعد هذه المخاطر. ففي كانون الثاني/يناير 2024، شهد شمال لبنان أكبر فيضان له منذ أكثر من 20 عاماً. وبعد سبعة أيام من الأمطار الغزيرة، فاض نهرا الكبير والأسطوان، ما أدى إلى غمر 3,000 منزل و850 تجمعاً غير رسمي، والتأثير على نحو 10,000 شخص، فضلاً عن غمر 8,000 هكتار من الأراضي الزراعية. ويظهر حجم الأضرار أيضاً كيف يمكن للتوسع العمراني والتجمعات غير الرسمية أن يزيدا من مخاطر الفيضانات، ما يجعل تعزيز القدرة على الصمود في المناطق الحضرية جزءاً من الاستعداد للكوارث. وساهمت التحذيرات المبكرة وعمليات الإجلاء في الحد من الخسائر في الأرواح على نطاق واسع.
كما شهد لبنان في عام 2025 أسوأ موجة جفاف منذ عقود، إذ انخفضت كميات الأمطار في بيروت بين كانون الثاني/يناير ونيسان/أبريل بنسبة 54% عن المتوسط التاريخي.
إلى أي مدى لبنان مستعد؟
عزز لبنان تدريجياً قدرته على استباق المخاطر والاستجابة لها. ويعمل المركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر، الذي أُنشئ ضمن المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان (CNRS-L) عام 2024، على تشغيل منصة النظام الوطني للإنذار المبكر، التي تجمع بين المراقبة عبر الأقمار الصناعية على مدار الساعة، والنمذجة الرقمية والبيانات الجغرافية المكانية، إلى جانب أدوات مثل الطائرات المسيّرة وتقنية «ليدار» وأجهزة الاستشعار الميدانية. كما ساهم التعاون الدولي في تعزيز القدرات في مجالات تشمل التنبؤ بالفيضانات وحرائق الغابات.
وتوفر هذه الأنظمة صورة متنامية عن المخاطر التي يواجهها لبنان. واستناداً بشكل رئيسي إلى سجلات الفترة بين عامي 2021 و2025، يسجل المركز متوسطاً سنوياً يبلغ 407 أحداث فيضانات، و169 انهياراً أرضياً، و1,800 حادثة إغلاق للطرق بسبب الثلوج، و236 حادثة مرتبطة بالرياح، فيما توفر التوقعات اليومية لحرائق الغابات تحذيرات للـ72 ساعة التالية.
وترتبط هذه المعلومات بمنظومة الاستجابة الأوسع. إذ تغذي المنصة الوحدة الوطنية لإدارة مخاطر الكوارث وغرف العمليات في المحافظات بالبيانات، بينما تهدف خطط الاستجابة الإقليمية وإرشادات إعداد خطط الطوارئ على مستوى البلديات إلى تعزيز الجاهزية محلياً. وفي صيدا–الزهراني، على سبيل المثال، تدعم مؤسسة الحريري وحدة إدارة مخاطر الكوارث المحلية من خلال إدارة البيانات وخدمات نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، إلى جانب التنسيق مع البلديات وشركاء آخرين.
ويتمثل التحدي في ضمان تكامل هذه القدرات المختلفة، بحيث تتحول التحذيرات بشكل منتظم إلى إجراءات سريعة وفي الوقت المناسب على أرض الواقع.
ماذا يمكن أن يعني منتدى تونس للبنان؟
يحمل منتدى تونس أهمية خاصة للبنان، إذ يعكس تركيزه على تحويل معلومات المخاطر إلى تحذيرات وإجراءات فعالة أحد أبرز تحديات الاستعداد التي يواجهها لبنان.
ويعزز لبنان قدرته على تحديد المخاطر ورصدها، لكن الخطوة التالية تتمثل في تحويل هذه المعلومات إلى إجراءات منسقة وفي الوقت المناسب، بدءاً من المؤسسات الوطنية والبلديات، وصولاً إلى فرق الاستجابة الأولى والمجتمعات المحلية.
ولا يكون الإنذار المبكر فعالاً إلا إذا وصل إلى الأشخاص المعرضين للخطر في وقت كافٍ، وبصيغة واضحة تمكّنهم من فهمه والتصرف بناءً عليه. وبالنسبة إلى لبنان، ستُقاس الجاهزية في نهاية المطاف بمدى قدرة التحذيرات على تحفيز الإجراءات اللازمة قبل أن تتحول المخاطر إلى كوارث.


