
لبنان - تؤثر درجات الحرارة المرتفعة في الأماكن والمواسم التي يمكن أن تنتشر فيها الأمراض المعدية. لا يؤدي تغيّر المناخ إلى ظهور أمراض جديدة، لكنه يهيئ ظروفاً تساعد البعوض وذبابة الرمل على البقاء نشطين لفترات أطول. كما قد يؤدي اضطراب هطول الأمطار والفيضانات والجفاف إلى إيجاد مواقع جديدة لتكاثر الحشرات وزيادة الاعتماد على مصادر مياه غير آمنة.
لا تؤدي هذه التغيرات تلقائياً إلى تفشي الأمراض، إذ يعتمد انتقال العدوى أيضاً على خدمات الصرف الصحي، والسكن، والسفر، وأنظمة الرصد الصحي، والقدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية. لكن تغيّر المناخ قد يزيد احتمال حدوث التفشي عندما تكون هذه الأنظمة ضعيفة.
ويثير ذلك قلقاً خاصاً في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا، حيث يتزامن ارتفاع درجات الحرارة مع شح المياه والنزوح والضغوط المتزايدة على الأنظمة الصحية.
حمّى الضنك هي عدوى فيروسية تنتقل بصورة أساسية من خلال لسعة بعوضة مصابة من نوع الزاعجة أو Aedes. ولا تنتقل عادةً بصورة مباشرة من شخص إلى آخر. فعندما تلسع البعوضة شخصاً يحمل الفيروس، يمكن أن تصاب به، ثم تنقله لاحقاً إلى شخص آخر من خلال اللسع.
ويشير مصطلح «انتقال حمّى الضنك» إلى هذه العملية التي ينتقل فيها الفيروس بين البشر بواسطة البعوض. ولكي تستمر العدوى، يجب أن تتوافر عدة شروط: وجود البعوضة، وبقاؤها على قيد الحياة فترة كافية لينمو الفيروس داخلها، ولسعها للبشر بصورة متكررة، واحتكاكها بشخص مصاب ثم بأشخاص آخرين يمكن أن تنتقل إليهم العدوى.
تؤثر درجة الحرارة في مراحل مختلفة من هذه العملية. فقد يسرّع الطقس الدافئ نمو البعوض، ويزيد نشاطه في اللسع، ويقلّص الوقت الذي يحتاج إليه الفيروس ليصبح قابلاً للانتقال داخل جسم البعوضة. كما قد يسمح الشتاء الأكثر اعتدالاً للبعوض بالبقاء فترة أطول، في حين يمكن لدفء فصلي الربيع والخريف أن يطيل موسم انتقال العدوى خلال العام.
لهذا السبب، من المهم قياس ما يُعرف بـ«احتمال انتقال العدوى». ويقصد به مدى ملاءمة الظروف البيئية لانتشار حمّى الضنك، وليس عدد الأشخاص الذين أصيبوا فعلياً بالمرض. فأعداد الإصابات تتأثر أيضاً بالسفر، ومكافحة البعوض، ومستوى المناعة لدى السكان، وظروف السكن، والوصول إلى الرعاية الصحية، وقدرة أنظمة الرصد على اكتشاف الحالات.
وعالمياً، ازدادت بصورة واضحة ملاءمة الظروف المناخية لانتقال حمّى الضنك. ووفقاً لـتقرير لانسيت لعام 2025 حول الصحة وتغيّر المناخ، ارتفع المتوسط العالمي لاحتمال انتقال حمّى الضنك بنسبة وصلت إلى 49% مقارنة بخمسينيات القرن الماضي.
كما قدّرت دراسة أخرى صدرت عام 2025 وشملت 21 دولة أن الاحترار الناتج عن الأنشطة البشرية كان مسؤولاً، في المتوسط، عن 18% من حالات حمّى الضنك المسجلة خلال الفترة التي تناولتها الدراسة. وظهرت التأثيرات الأكبر في المناطق الأكثر برودة نسبياً، والتي بدأت درجات حرارتها تقترب من المستويات المناسبة لانتقال العدوى.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في منطقة تشهد ظهور حمّى الضنك أو عودتها بصورة متكررة. فقد سُجلت حالات تفشٍ في دول من بينها اليمن والسودان والصومال وجيبوتي والمملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان ومصر. وربطت منظمة الصحة العالمية تصاعد المخاطر عالمياً وإقليمياً بمجموعة من العوامل، تشمل تغيّر المناخ، وهطول الأمطار غير المعتاد، والتوسع الحضري، وحركة السكان، وضعف أنظمة المياه، وانتشار بعوض الزاعجة.
لكن المناخ لا يؤثر في جميع المناطق بالطريقة نفسها. فقد تؤدي الحرارة المفرطة أو الجفاف الشديد أحياناً إلى الحد من قدرة البعوض على البقاء. لذلك، لا يكمن القلق في أن جميع الدول ستشهد ببساطة زيادة في الأمراض، بل في أن مواسم انتقال العدوى ومناطق الخطر الجغرافية أصبحت أقل قابلية للتوقع.
يمكن لكل من الفيضانات والجفاف أن يهيئ ظروفاً تساعد على انتشار العدوى.
قد تؤدي الأمطار الغزيرة إلى إرباك أنظمة الصرف الصحي، وتلويث مصادر مياه الشرب، وترك مياه راكدة يمكن أن يتكاثر فيها البعوض. أما الجفاف فيؤثر بطريقة مختلفة، فعندما تصبح إمدادات المياه العامة أقل انتظاماً، قد تضطر الأسر إلى الاعتماد على مصادر غير آمنة أو تخزين المياه في الخزانات والدلاء والحاويات. وإذا لم تُغطَّ هذه الحاويات وتُنظف بانتظام، فقد تتحول إلى مواقع لتكاثر البعوض.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة في لبنان، حيث يكون تخزين المياه في المنازل غالباً استجابةً لانقطاع الإمدادات العامة، وليس مجرد خيار شخصي.
كما يزيد شح المياه مخاطر الإصابة بالكوليرا وغيرها من الأمراض المسببة للإسهال. وقد مثّل تفشي الكوليرا في لبنان عام 2022 أول تفشٍ للمرض في البلاد منذ نحو 30 عاماً. وبحلول نهاية ذلك العام، سُجلت 5,819 حالة مؤكدة أو مشتبه بها و23 وفاة. وكان ضعف الاستثمار في أنظمة المياه والصرف الصحي، وانقطاع الكهرباء، وانتقال العدوى عبر الحدود من العوامل الأساسية وراء هذا التفشي.
ولا ينبغي تقديم تغيّر المناخ بوصفه السبب المباشر لهذا التفشي. لكن الجفاف واضطراب هطول الأمطار والفيضانات يمكن أن تفرض ضغوطاً إضافية على أنظمة المياه والصرف الصحي نفسها، والتي يؤدي تعطلها إلى تهيئة الظروف لانتشار الكوليرا.
يقدّم داء الليشمانيات، المعروف أيضاً باللشمانيا، مثالاً آخر. ينتقل المرض من خلال لسعة ذبابة الرمل المصابة، وهو موجود بالفعل في أجزاء من المنطقة. ووفقاً لـمنظمة الصحة العالمية، يمكن للتغيرات في درجات الحرارة وهطول الأمطار أن تؤثر في أعداد ذبابة الرمل وانتشارها الجغرافي. كما قد تدفع حالات الجفاف والمجاعة والفيضانات السكان إلى الانتقال نحو مناطق ينتشر فيها المرض.
غالباً ما تتزامن هذه التغيرات البيئية مع النزاعات والنزوح. وقد يكون الأشخاص الذين يعيشون في مساكن مكتظة أو غير ملائمة أقل قدرة على حماية أنفسهم من الحشرات، كما قد يؤدي تعطل الخدمات الصحية إلى تأخير التشخيص والعلاج.
ولا ينبغي تأطير المسألة وكأن النازحين هم من ينقلون الأمراض. فالمخاطر الأكبر ترتبط بالظروف التي يُجبرون على العيش فيها، مثل الاكتظاظ، وضعف إدارة النفايات، وانقطاع خدمات المياه، ومحدودية الوصول إلى الرعاية الصحية.
من أبرز الدروس التي يمكن الاستفادة منها في أفريقيا الاستخدام المتزايد للمعلومات المناخية لتوقّع تفشي الأمراض قبل حدوثه.
تعمل دول من بينها إثيوبيا وملاوي وموزمبيق ورواندا وتنزانيا وتوغو وأوغندا على إدماج بيانات هطول الأمطار ودرجات الحرارة وغيرها من المعلومات البيئية ضمن أنظمة البيانات الصحية الدورية. ويمكن لهذه الأدوات أن تساعد في تحديد الفترات التي تصبح فيها الظروف أكثر ملاءمة لانتقال الملاريا وغيرها من الأمراض المتأثرة بالمناخ، ما يسمح للسلطات بتوجيه جهود الرصد والوقاية في وقت أبكر.
ويمكن للبنان تطبيق المبدأ نفسه على حمّى الضنك والشيكونغونيا والليشمانيا والأمراض المنقولة بالمياه. فمن الممكن الجمع بين توقعات الطقس، ومراقبة البعوض، ونتائج المختبرات، وفحوص جودة المياه، والبلاغات عن حالات الحمى أو الإسهال غير المعتادة.
قد لا يجلب تغيّر المناخ إلى لبنان مسببات أمراض غير مألوفة تماماً، لكن الخطر الأقرب يتمثل في منحه الأمراض الإقليمية المعروفة مواسم أطول، ومواقع تكاثر جديدة، وفرصاً إضافية للانتشار. لذلك، يجب أن يبدأ الاستعداد قبل أن تسجل المستشفيات ارتفاعاً في أعداد المرضى، من خلال التعامل مع المعلومات المناخية باعتبارها جزءاً من أنظمة رصد الأمراض المعدية.