
العالم - يحمل اليوم العالمي للصحة النفسية في 10 تشرين الأول شعاراً يبدو وكأنه الجواب: «الإصغاء إلى التجارب المعيشة: أصوات حقيقية، تغيير حقيقي». وأرقام منظمة الصحة العالمية تكشف الفجوة. ثمانون في المئة من الدول التي تملك سياسة للصحة النفسية استشارت أصحاب التجربة المعيشة أثناء صياغتها، في حين أشركتهم 37% فقط في تدريب العاملين الذين يقدّمون الرعاية. ولبنان يسير في الاتجاه الصحيح، إذ تدعو الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية إلى المشاركة الفعّالة لأصحاب التجربة المعيشة في عملية صنع القرار.
في هذه المسافة، بين أن تُستشار وأن تُشارك فعلاً، تعمل السيدة ساشا حج عسّاف. وهي رئيسة جمعية «العدالة للصحة النفسية»، أول جمعية في لبنان أسّسها ويقودها أشخاص من أصحاب التجربة المعيشة في الصحة النفسية.
«المشكلة ليست فيّ، المشكلة في النظام»
قامت الجمعية على تجربة مؤسِّسيها أنفسهم مع رعاية الصحة النفسية. تقول حج عسّاف: «هناك شيء جوهري جداً يتكوّن حين تمرّ في أنفاق نظام الصحة النفسية». وما تكوّن كان استنتاجاً: «بينما كنت أمرّ في النظام، كنت ألاحظ أن المشكلة ليست فيّ. المشكلة في نظام لا يعرف كيف يستجيب لي ولأشخاص مثلي».
الفكرة مستمدّة من حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. تقول: «تصبح معوَّقاً حين تواجهك الحواجز. هذه الإعاقة ليست في داخلك، بل تظهر حين تحاول التعامل مع النظام المحيط بك». بعبارة أخرى، ليست الحالة النفسية هي ما يُعيق الشخص، بل أماكن العمل والمؤسسات التعليمية والمجتمع ككل حين تعجز عن استيعابه. وقد وقّع لبنان اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2007 ولم يصادق عليها إلا في حزيران 2023.
«الكرامة هي أن تنظر إلى الإنسان»
في إطلاق الاستراتيجية الوطنية، دعت السيدة حج عسّاف الحكومة وسائر الشركاء إلى ضمان أن يتمتّع كل مستخدِم للخدمة في لبنان «بكرامته وحقوقه الإنسانية». وحين سُئلت عن معنى ذلك عملياً، جاء جوابها قصيراً: «ببساطة، الكرامة هي أن تنظر إلى الإنسان». أي أن يكون الإنسان في المركز، لا الأهداف والمؤشرات والأرقام.
ويبدأ ذلك من اللغة. تقول: «نفضّل ألّا نستخدم مصطلح مريض. نحن نستخدم مستخدِم الخدمة، أو أشخاص من أصحاب التجربة المعيشة». وعملياً تعطي ثلاثة أمثلة: لا عنف في العلاج، حتى حين يمتنع مستخدِم الخدمة. وأن يشرح الطبيب النفسي الطريقة المقترحة وكل أثر جانبي متوقّع منها. ولا شيء بالإكراه، بل خيارات تُعرض، ويُعامَل الشخص بوصفه يعرف احتياجاته. وكل مثال من هذه يستهدف الأمر نفسه. تقول: «هناك هذه الهرمية داخل نظام الصحة النفسية، وداخل النظام الصحي عموماً».
الحقوق هي نقطة البداية
المطلوب تغيير في زاوية النظر. فالصحة النفسية تُعالَج كخدمة يجب تقديمها: أسرّة أكثر، أطباء أكثر، انتظار أقصر. في حين أنها في أساسها مسألة حقوق. وقد أجرت منظمة الصحة العالمية التحوّل نفسه في آذار 2025: إذ يطلب دليلها الإرشادي حول السياسات الوطنية للصحة النفسية من الحكومات أن تستبدل «النماذج المؤسسية البالية التي لا تستوفي المعايير الدولية لحقوق الإنسان» برعاية مبنية على «نهج يتمحور حول الشخص، وموجَّه نحو التعافي، وقائم على الحقوق».
ولبنان التزم على الورق. فـالاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية 2024–2030 تصف توسيع الخدمات المجتمعية بأنه «إحدى الاستراتيجيات الأساسية لتحقيق اللامأسسة في رعاية الصحة النفسية»، وتسجّل إغلاق مؤسستَي إقامة نفسية بعد انتهاكات لحقوق الإنسان.
لكن حقوق الإنسان ليست ممارسة سائدة. وجزء مما ينقص هو الإلمام بها: فالحقوق ليست مفهومة جيداً في أنحاء النظام، لا لدى الجمهور ولا دائماً لدى العاملين داخله، والحق المكتوب في استراتيجية لا يصل إلى القسم من تلقاء نفسه. أما العقبة الأخرى فهي التفسير الذي يُقدَّم دائماً: شحّ الموارد. وترى السيدة حج عسّاف أن هذا غير مقبول: «نقص الموارد والقدرات وما إلى ذلك لا يجوز أن يقف يوماً في طريق وصول الناس إلى حقوقهم، إلى حقوقهم الإنسانية الأساسية».
أي الحالات تُؤخذ على محمل الجدّ
ترى السيدة حج عسّاف أن النقاش العام يميل نحو الحالات الأسهل تقبّلاً. تقول: «ننظر إلى الصحة النفسية نظرة سطحية. الأمور الأخف التي يتقبّلها الناس أكثر، مثل القلق والاكتئاب، لأنها ألطف وأنعم، فيتقبّلها الناس أكثر». وما عدا ذلك أشدّ وطأة، وهناك تحضر المؤسسات. وعلى مستوى العالم، تُحصي منظمة الصحة العالمية 49% من حالات الدخول إلى المستشفيات النفسية بوصفها غير طوعية. تقول: «علينا أن نسمّي هذه الأمور بأسمائها».
لا تزال تبحث عن موقعها
أما الاعتراف بها كزميلة فيستغرق وقتاً أطول. «العدالة للصحة النفسية» هي أول جمعية من نوعها في لبنان والمنطقة، لذا لا مكان ثابتاً لها بعد في الغرف التي تُصنع فيها سياسات الصحة النفسية. وفي انتظار ذلك، تعمل الجمعية على الآليات القائمة، بالتعاون المباشر مع البرنامج الوطني للصحة النفسية، وببناء إحساس بالانتماء إلى مجتمع من خلال أنشطة تنظّمها لأشخاص آخرين من أصحاب التجربة المعيشة. ومن هذا العمل يأتي جزء كبير من مكانتها: فهي حين تتحدّث في غرفة سياسات، تتحدّث باسم مجتمع على تواصل دائم معه.
وما يشجّعها يأتي من مكان آخر: بلدان منخفضة ومتوسطة الدخل باتت فيها المشاركة التي يقودها الأنداد أمراً راسخاً، وزملاء في أفريقيا وأميركا اللاتينية والهند يقومون بالعمل نفسه. وأن تكون الأولى في لبنان والمنطقة يعني أنه لا قالب جاهزاً تتبعه، فهي تكتب القالب بينما تتقدّم. شعار هذا العام يطالب بأن تُسمع التجربة المعيشة. ولبنان الآن لديه منظمة بُنيت لهذا الغرض تحديداً، وتعليماتها للنظام هي الأبسط على الإطلاق: انظر إلى الإنسان.



