
الشرق الأوسط – في 23 سبتمبر 2026، عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اجتماعاً رفيع المستوى بمناسبة الذكرى الأربعين لإعلان الحق في التنمية.
ويعرّف الإعلان، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1986، التنمية بأنها عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية متكاملة تهدف إلى التحسين المستمر لرفاه الإنسان، من خلال المشاركة والتوزيع العادل لمنافع التنمية.
ويطرح الإعلان سؤالاً لا يزال محورياً في النقاشات المتعلقة بالتنمية اليوم: ليس فقط كيف تنمو الاقتصادات، بل كيف ينعكس هذا النمو على حياة الناس، ومدى عدالة توزيع ثماره.
ما وراء النمو الاقتصادي
يرى راغي أسعد، أستاذ الاقتصاد وحامل كرسي فريمان للسياسة الاقتصادية الدولية في جامعة مينيسوتا، أن النمو الاقتصادي ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره وسيلة لتحقيق التنمية، لا مقياساً لها.
وقال أسعد في حديثه إلى منصة «إنمائية»: «التنمية هي التحسن المستدام في رفاه غالبية سكان البلد». وأوضح أن النمو قد يكون ضرورياً، لكنه لا يؤدي تلقائياً إلى تحسين الظروف المعيشية.
فإذا لم تُوزَّع الزيادة في الدخل بصورة كافية، أو لم تسهم في تحسين إمكانية الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والتغذية والتنقل والمعلومات والسكن اللائق والخدمات الأساسية، فإن ازدياد ثروة الاقتصاد لا يعني بالضرورة تحسناً في حياة الناس.
ويُظهر لبنان لماذا لا يمكن قياس التنمية بالمؤشرات الاقتصادية وحدها. فوفقاً لتقييم الفقر والإنصاف لعام 2024 الصادر عن البنك الدولي، ارتفعت نسبة الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر المعتمد في الدراسة في خمس محافظات شملها المسح من 12% عام 2012 إلى 44% عام 2022.
وبلغت النسبة 70% في عكار، ما يسلّط الضوء على التفاوتات الكبيرة بين المناطق. وفي الوقت نفسه، سجّل لبنان قيمة بلغت 0.752 على مؤشر التنمية البشرية عام 2023، ليحتل المرتبة 102 من أصل 193 دولة وإقليماً، ويُصنَّف ضمن فئة التنمية البشرية المرتفعة، وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
وتعكس هذه المؤشرات أبعاداً مختلفة للرفاه؛ فبينما يقيس مؤشر التنمية البشرية الإنجازات في مجالات الصحة والتعليم والدخل، تكشف أرقام الفقر عن حجم الضائقة الاقتصادية في المناطق التي شملتها الدراسة. ومع ذلك، ينبغي التعامل بحذر مع تقدير الفقر البالغ 44%، إذ اقتصر مسح البنك الدولي على خمس محافظات من أصل ثماني في لبنان، ولا يقدّم تقديراً وطنياً ممثلاً بالكامل لمستويات الفقر.
وتؤكد هذه الأرقام مجتمعة ضرورة تجاوز المتوسطات الوطنية ومؤشرات الأداء الاقتصادي للنظر في قدرة الناس على تلبية احتياجاتهم الأساسية، والوصول إلى الخدمات الضرورية، والاستفادة من ثمار التنمية بصورة عادلة.
وعلى مستوى الأفراد، ينبغي أن تنعكس التنمية في قدرة الناس على تحمّل تكاليف الرعاية الصحية والتعليم، والحصول على مياه آمنة وهواء نظيف، وتلبية احتياجاتهم الغذائية، والاستفادة من وسائل نقل موثوقة، والمشاركة في القرارات التي تؤثر في مجتمعاتهم، والشعور بمزيد من الأمان حيال مستقبلهم.
تجربة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يحدّد أسعد مجموعة من الجوانب التي قد لا تحظى بالاهتمام الكافي عندما يُقاس التقدم التنموي بالاعتماد أساساً على المؤشرات الاقتصادية. وتشمل هذه الجوانب كيفية توزيع ثمار النمو، وجودة الخدمات العامة، وعدالة المؤسسات العامة، وقدرة الناس على المشاركة في القرارات التي تؤثر في مجتمعاتهم.
كما يشكك في الفكرة القائلة إن النمو الاقتصادي أو الدعم الحكومي أو مشاريع البنية التحتية الكبرى كافية، بحد ذاتها، لتحقيق تنمية تشمل شرائح المجتمع المختلفة.
ومع ذلك، توجد أمثلة على سياسات تهدف إلى تعزيز الشمول. ويشير أسعد إلى برامج التحويلات النقدية واسعة النطاق، وتوسيع نطاق البنية التحتية الأساسية لتشمل القرى والأحياء الأكثر فقراً. وفي المقابل، يلفت إلى أن بعض الاستثمارات في الطرق والجسور والمدن الجديدة والضواحي الراقية لم تكن كافية لتحقيق الأهداف المرجوة منها.
ماذا يعني ذلك للبنان؟
يعتبر أسعد أن الخدمات العامة والمؤسسات قد تشكّل عائقاً رئيسياً أمام التنمية في لبنان.
وقال: «قد تكون جودة الخدمات العامة وحسن سير عمل المؤسسات العامة أكبر عائق أمام التنمية في لبنان»، مضيفاً أن انعدام الأمن والتهديدات بالعنف والنزوح عوامل قد تزيد مسار التنمية تعقيداً.
وقد ازدادت الضغوط على الخدمات العامة والظروف المعيشية في لبنان في ظل تجدد النزاع. ويتوقع البنك الدولي أن ينكمش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% عام 2026، بعد نمو قُدّر بنحو 4.2% عام 2025. كما يحذّر البنك من أن النزوح المطوّل والأضرار التي تلحق بالبنية التحتية والاضطرابات في قطاعي التعليم والرعاية الصحية قد تترك آثاراً طويلة الأمد على القدرة الإنتاجية للبلاد ونموها على المدى المتوسط.
وتشير رؤية أسعد الأوسع إلى ضرورة إعادة النظر في دور الحكومات. فبدلاً من أن يتركز دورها أساساً على التوظيف والإنتاج، ينبغي لها تهيئة الظروف الملائمة لعمل القطاع الخاص، مع الاضطلاع بدور تنظيمي وضمان توفير الخدمات الأساسية.
إعادة التفكير في الحق في التنمية
يثير مفهوم الحق في التنمية سؤالاً عملياً أيضاً: ماذا يحدث عندما تكون الموارد اللازمة لتحقيق نتائج أفضل محدودة؟
ويتحفظ أسعد على التعامل مع التنمية بوصفها حقاً مماثلاً للحقوق المدنية والسياسية، إذ قد تتأثر قدرة الحكومات على تحقيقها بعوامل خارجة عن سيطرتها. وبدلاً من ذلك، يقترح اعتماد معيار أكثر مباشرة لقياس التقدم، يتمثل في مستوى معيشة الفئات الأكثر حرماناً في المجتمع، ومدى سرعة تحسّن ظروفها.
وبالنسبة إلى لبنان ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عموماً، يوجّه هذا النهج الاهتمام نحو النتائج الفعلية بدلاً من الأرقام الاقتصادية الإجمالية، من خلال تقييم مدى فاعلية المؤسسات، ووصول الخدمات الأساسية إلى الناس، وامتداد التحسن في الظروف المعيشية إلى ما يتجاوز الفئات التي تمتلك أصلاً فرصاً أكبر للاستفادة من التنمية.