
بيروت - مع انطلاق الدورة السابعة والستين من معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، يتجاوز المنظمون هدف بيع الكتب إلى تعزيز التبادل الأدبي، ودعم الناشرين، وتشجيع القراءة المعمّقة في عالم يتزايد فيه الاعتماد على المنصات الرقمية.
منذ تأسيسه عام 1956، يسعى معرض بيروت العربي الدولي للكتاب إلى جمع الكتّاب والناشرين والقرّاء في مساحة مشتركة. وفي دورته السابعة والستين، يؤكد المعرض مجدداً هذا الدور، في ظل الضغوط الاقتصادية والتحولات التكنولوجية والتحديات الأوسع التي تواجه لبنان والمنطقة.
وبالنسبة إلى سلوى بعاصيري، نائبة رئيس النادي الثقافي العربي ورئيسة لجنة تنظيم المعرض، فإن دور الحدث يتجاوز عرض الإصدارات الجديدة، ليشكّل فرصة لفتح المجال أمام الحوار والتفكير النقدي والتبادل الثقافي.
وقالت بعاصيري في حديث إلى إنمائية، في معرض توضيحها للرؤية التي يستند إليها المعرض: «إن الثقافة هي السلاح الأمضى في مواجهة الأزمات، وستبقى الوجه الحضاري للبنان».
وتتضمن دورة هذا العام نحو 95 فعالية ثقافية، تشمل ندوات وحوارات تتناول مجموعة واسعة من الموضوعات الفكرية والاجتماعية. كما تخصص بعض الفعاليات تحية تقدير لشخصيات أدّت أدواراً بارزة في تاريخ لبنان وتاريخ الإنسانية، انطلاقاً من إيمان المنظمين بقدرة الإسهامات الثقافية والفكرية على مساعدة المجتمعات في مواجهة فترات عدم اليقين.
واستحدث المعرض أيضاً أجنحة للفن الغرافيكي تسلّط الضوء على دور تصميم الحروف والرسوم والأغلفة في صناعة الكتاب، إلى جانب حديقة للقراءة تهدف إلى الربط بين البيئة الفكرية والمحيط الطبيعي.
وتعكس هذه الإضافات توجهاً نحو تقديم الكتاب ليس بوصفه منتجاً نهائياً فحسب، بل جزءاً من تجربة ثقافية أوسع.
من أبرز مستجدات دورة عام 2026 التعاون بين النادي الثقافي العربي، الذي يتولى تنظيم المعرض منذ انطلاقته، واتحاد الناشرين اللبنانيين.
ووصفت بعاصيري هذا التعاون بأنه خطوة طبيعية بين جهتين تجمعهما صلتهما بالكتاب وقطاع النشر، مؤكدة أن توحيد الجهود يصبّ في مصلحة الناشرين والقرّاء والمجتمع الثقافي عموماً.
وأضافت أن الطرفين يؤمنان بأن العمل المشترك وتضافر الجهود يحققان فوائد لجميع المعنيين بالشأن الثقافي. كما أسهم وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة في تقريب وجهات النظر بين الجانبين، وصولاً إلى اتفاق أتاح تنظيم الدورة الحالية في إطار من التعاون والتكامل.
ويأتي هذا التعاون في وقت يواجه فيه قطاع النشر في لبنان ضغوطاً متعددة، من بينها تراجع القدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من القرّاء، وقرصنة الكتب وانتهاك حقوق الملكية الفكرية. وأشارت بعاصيري أيضاً إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج نصوص مكتوبة بدلاً من الاعتماد على الإبداع البشري، معتبرة ذلك أحد التحديات الناشئة أمام القطاع.
وقالت إن التعامل مع هذه التحديات يتطلب متابعة مستمرة، وتفعيل تطبيق القوانين القائمة، والالتزام بالمعايير الأخلاقية بما يحمي المؤلفين والناشرين والقرّاء.
وأوضحت أن المعرض يوفّر للناشرين مساحة لعرض أعمالهم في بيئة لا مكان فيها للكتب المزوّرة التي تقوّض جهودهم. كما يساهم في الترويج للإصدارات الحديثة الصادرة عن دور النشر المشاركة، بما يشجّع الزوار على استكشاف مجموعة أوسع من العناوين.
وتشكّل الحسومات التي تقدمها دور النشر خلال المعرض وسيلة إضافية لتشجيع القرّاء على شراء الكتب رغم القيود المالية.
أدى توسّع المنصات الرقمية إلى تغيير الطريقة التي تتلقى بها الأجيال الشابة المعلومات، ما يطرح تحدياً أمام معارض الكتاب يتمثل في استقطاب قرّاء باتت أنماط استهلاكهم للمحتوى تتأثر بوتيرة النشر السريعة على الإنترنت.
لكن بعاصيري لا تنظر إلى المعرض بوصفه منافساً مباشراً لوسائل التواصل الاجتماعي، بل ترى في هذه المنصات وسيلة لتعريف الشباب بالكتب وتشجيعهم على زيارة المعرض والتفاعل مع أنشطته.
وقالت: «إن نوعية القراءة التي يوفرها الكتاب هي الضامنة للغوص في المعنى والجوهر».
وأضافت أن قراءة الكتاب، خلافاً للاستهلاك السريع والمتقطع للمحتوى الرقمي، تتطلب التركيز وصفاء الذهن والمراجعة النقدية.
وفي هذا السياق، يعتمد المعرض على وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لبرنامجه وإبراز ما يتيحه من فرص للقاء الكتّاب وتبادل الأفكار والتفاعل مع المجتمع الثقافي الأوسع.
غير أن إتاحة الوصول إلى الكتاب لا تقتصر على استقطاب الزوار، إذ يسعى البرنامج الثقافي إلى مخاطبة مختلف الفئات العمرية والفكرية. كما تتيح الندوات والنقاشات المرافقة للإصدارات الجديدة للجمهور الاطلاع على الأفكار المطروحة ومناقشتها، حتى عندما تحول الظروف المادية دون شراء الكتب.
ولفتت بعاصيري أيضاً إلى أهمية الحسومات التي تقدمها دور النشر، ولا سيما بالنسبة إلى طلاب الجامعات والمدارس.
بالنسبة إلى المنظمين، لا تقتصر قيمة المعرض على الكتب التي يبيعها، بل تشمل أيضاً الحوارات التي يتيحها والمساحات التي يفتحها لتبادل الأفكار.
وقالت بعاصيري: «إن المعرض ليس سوقاً تجارياً لبيع الكتب»، بل هو مساحة تتيح للقرّاء التعرّف إلى التجارب الفكرية والإنسانية التي يسعى الكتّاب إلى مشاركتها مع جمهور أوسع.
وترافق العديد من الإصدارات الجديدة حلقات نقاش تجمع الكتّاب والناشرين والقرّاء، بما يتيح للزوار طرح الأسئلة والحصول على إجابات مباشرة من المؤلفين، ويوفر فرصاً للتفاعل قد لا تتاح عند قراءة الكتب بصورة فردية.
كما يفتح البرنامج الثقافي الأوسع المجال أمام مناقشة قضايا فكرية واجتماعية وإنسانية، بما يعزز دور المعرض ويتجاوز حدود قطاع النشر.
وبحسب بعاصيري، جاءت ردود فعل الزوار ودور النشر المشاركة إيجابية، مع تسجيل إقبال ملحوظ على المعرض واهتمام بالإصدارات الجديدة.
مع بدء التحضير للدورة الثامنة والستين، يعتزم المنظمون البناء على تجربة هذا العام، والاستجابة للتطورات الثقافية المستجدة، وتوسيع مشاركة دور النشر العربية والدولية التي تعذّر عليها الحضور في دورة 2026.
وترى بعاصيري أن استمرار أهمية المعرض يرتبط بالحفاظ على دوره بوصفه مساحة تجمع الأشخاص والأفكار، بالتوازي مع التكيّف مع المتغيرات المحيطة.
وفي مجتمع يواجه قيوداً اقتصادية وتحولات متسارعة في أنماط استهلاك المحتوى، لا يقتصر التحدي على تشجيع الناس على شراء المزيد من الكتب، بل يتمثل أيضاً في الحفاظ على المساحات التي تتحول فيها القراءة إلى تبادل للأفكار، وممارسة للتفكير النقدي، وجسر يربط الكتّاب بالمجتمعات التي يخاطبونها.